شعار قسم مدونات

أن ترى في الموت حلماً!

blogs الموت

حتى صاحب اليقين مثلنا، تائه يتبع حدسه، ولكنه يجيد الالتفات لزاوية الصوت القادم من المجهول مهما كان ذاك الصوت خافتاً، هذا ما نتفاوت فيه جميعاً، كيف نهتدي وكيف نتعلم استساغة المرارة حتى نصل إلى جحودها، ونعلن أنها المرة الأخيرة التي ستلدغنا الأفعى من هذه الحفرة، لقد اكتسب جسدي مناعة السم فلم أعد بحاجة إلى ترياق، لنذهب إلى سم أشد فتكاً بنا، ولنتجاوز الأخير أيضاً.

يخبرون عن الأحلام ويرسمونها، ثم يجيدون حقاً سكب ألوانها وإضاعتها كأنها لم تكن، ليس لأنهم حمقى أو لا يجيدون السير على استقامة ما، بل لأن الحياة مملوءة بالرهانات التي لم تخلق خارقاً لتجتازها جميعاً، حسناً أنا فقدت ظهرك التي كانت تسند ظهري وكأنني عاجز لا يقوى، لأن عودي كان طرياً وكنت تحب أن تصفق لي، ذهبت يداك ولم يعد هناك عينان تنظران وكأنني الأمل الوحيد في هذا العالم، كان هذا الرحيل ثقيلاً.

 

كنت أخبر الجميع أنني سأكبر لأصبح مثلك، وعندما أخذك المرض بغتة، كنت قد سلكت هذا العمر من الطب، لأنني سأشاهد الكثير من الأطفال الذين سيضعون قبل الوداع على جبين الغياب، ذاك المشهد الذي لم أقوى أن أكون أحد أطرافه في عمري، وسيرسلون أياديهم تلوح في جنازة الوداع، وعندما يشتاقون سيسألون أمهاتهم: هل الفردوس مكان بعيد لنذهب إليه وإن كان عالياً للغاية فلماذا تخبريننا أن ندعو الله أن يسكنه أبعد السماء؟!، سأمارس حقي في أن أصمد أو أسقط عندما يترامى المفجوعون من الموت، الخائفون من الفقدان، الذين يكابرون حقيقة أن الموت قد يكون خلاصاً لأحدهم!

كان ذاك صباح لا شمس له كما تصفه أمي، لقد أخذك الغياب بلا وداع، على فراش بارد في الضفة الأخرى من هذا الوطن، لا أدرى أن أفقت من غيبوبتك تتلو الشهادة أم كانت سكرة واحدة!

غيابات خفيفة لا تذكر، وغيابات ثقيلة كأيام الآحاد، وغيابات لا تعبر، غيابات تفهمها وتنكرها وأخرى تدركها متأخرة ومنها ما لا تدركها أبداً، وغيابات تترك ظلها الأسود كغيمة مثقلة بعد ليلة عاصفة، لا هي تزول ولا هي تخفف أحمالها، أذكر كل الصباحات التي بدأت بك، لم تتأخر يوماً ساعتك عن السادسة، لم يتغير لسانك الهادئ، ولم تتغير يدك، وتغيرت طاولتك وسريرك، ولا أدرى حقاً أين ذهب مذياعك الصغير، لم يعد شيء من المكان كما تركته، ولكن الذاكرة الغضة كما هي.

 

كان ذاك صباح لا شمس له كما تصفه أمي، لقد أخذك الغياب بلا وداع، على فراش بارد في الضفة الأخرى من هذا الوطن، لا أدرى أن أفقت من غيبوبتك تتلو الشهادة أم كانت سكرة واحدة! كنت أعتقد أن الأموات تصبح أعينهم بيضاء وستصبح شبحاً يزورني في المنام، كنت طفلاً يرغب في أن يحفظك في ذاكرته واقفاً وضاحكاً ويداك دافئتان، بطل إحدى القصص التي كنت ترويها لنا قبل النوم، تعلم أن الوداع يكون صعباً، بدءاً من وداع الأم لابنها الملتحق بالجيش، هذا طريق لا يرغبونه، إلى وداع المغتربين والحالمين بالمجد حيث يولد من تربته الخضراء، حيث يكون الغياب مستساغاً.

 

حتى الشجر الأصفر يبدو شاحباً بعد سقوط أوراقه، كلها وداعات مؤقتة، تبدأ بقبلة جبين وتنتهي بضمّة أخرى بعد مواسم الصبر، ولكن وداعك كان وداع لا لقاء بعده، لقد خانك الغياب عندما كانت الذاكرة وفية لهذا الحد، يخيل لي أن أولئك المصابين بفقدان الذاكرة أشد سعادة منا نحن الذين لا نستطيع مغادرة التقويم بأحداثه، لقد ماتت شجرة التين التي كنت تصحبني إليها نرعاها في الظهيرة الحارقة، وذهب الحاجز الذي كنت أنام بين يديك حتى نتجاوزه، نعم لقد كنت الطفل الأول في هذه العائلة، وعندما نظروا إلي بعين المسؤولية، كنت تغمز لي بعين الدلال!

لم تعد موجوداً ولم نعد نشتري الجرائد ولكنني امتهنت الكتابة، والتحقت بكلية الطب، ما زلت مؤمناً بكل ما علمتني إياه أمي، هي ابنتك على أية حال، تقول أمي: كل ما سنحارب من أجله سنصل إليه، لا يجب أن نستسلم تحت وطأة خسارة ما، وأنا أفكر على هذا النحو أيضاً، لو كنت قبل 12 عاماً في عمري اليوم كنت سأقاتل من أجل قلبك الضعيف، كنت سأمنحه قوة يداي، ربما ما كنت لأخسرك، ولكنني كنت صغيرة للحد الذي لم أعرف أنه علي أن أحفظ ملامحك للمرة الأخيرة.

 

لدينا صورة لك، نتعارك على اقتنائها جميعاً، ولكنني اخترت أن أجبر ذاكرتي أن تحفظك مرسوماً، أكتب إليك أخبرك اليوم أنني قد أكون خذلتك مرات عدة، فلم أعد من أصحاب الصف الأول، ولست من أصحاب السطر الخامس أيضاً! تلك شيفرة لن تفهمها ما دمت لم تجلس ساعتين كاملتين تحت وطأة من يظنون أنهم يعلموننا الطب والحياة، لقد تجاوزت أعوامي الثلاث الأولى، لست هنا لتصفق لي، كنت في كل إنجاز لي أقول لو كان هنا كان سيحتفي بي، من الصعب أن يأتي إلى عمري رجلاً يشبهك.

 

في الطب يا جدي تعلمت أن أقف أمام خساراتي ولم أتنازل عن مبادئك يوماً، يظن الكثيرون أنني خسرت وينظرون إلي بعين الشفقة، ولكنني لن أسكت عن حق شهدته وسأظل دوماً صوتاً عالياً ورقماً صعباً حتى إن لم أكن من أصحاب الصف الأول، في الطب يحدد طريقك في نظر من حولك رقم من خانتين، وحقيقة الأمر هنا، هنا فقط لا تقدم تلك الأرقام ولا تؤخر شيئاً، ما لم تكن قادراً أن تضبط ارتجافة يديك وتسقط بعد معاركك تبكي فرحاً أو منصتاً لمن خذلهم الغياب وتشاركهم مآسيهم، لا ينبغي أن تتحول إلى ضرع متحجر تحركه الأرقام، إن الطب ليس شيئاً كهذا، يخبرنا أن نتعلم المضي ولو في أرضٍ بور، دون أن تجف قلوبنا، في عامي القادم، سأضع سماعتي حول عنقي، وسأتلو ترانيم الصواب على كل باب أطرقه، سأضعك أمام عيناي وسأتبع آثارك إلى أن تقودني إلى ذاتي، وسأتذكر كم يكون الغياب قاسياً!