كيف تحول الإنسان من الحالة البدائية إلى نشوء المجتمع؟

افترض جان جاك روسو في مؤلفه "خطاب في أصل التفاوت وفي أسسه بين البشر" أن الإنسان قبل مرحلة المجتمع، كان يعيش في الطبيعة، وكان يمارس كل الطقوس الطبيعية بعفوية، هذه الطقوس اعتبر روسو أنها جعلت هذا الإنسان طيبا بطبعه، ويخالف في ذلك رأي طوماس هوبز الذي افترض أن الإنسان في الحالة الطبيعية كان شريرا؛ وهكذا حاول روسو استنتاج هذه الحالة انطلاقا من الحالة التي وصل إليها الإنسان في المجتمع.

 

فهو يعتقد بأن المجتمع هو الذي أفسد الإنسان، وبالتالي فمن الطبيعي أن الأصل في الإنسان هي الطيبة والخير، ويبدو أن هذه الأمور لا توجد في حالة المجتمع، وبالتالي يمكن أن تكون موجودة في الحالة التي سبقت المجتمع، من هنا انطلق روسو في رحلته نحو الحالة البدائية للإنسان، فحاول أن يفترض جل مميزات الإنسان في حالة الطبيعة، وحاول مسايرة تطور هذا الإنسان نحو بداية نشوء المجتمع.

يذهب روسو إلى أن البعد الأخلاقي للحب بمثابة شعور مصطنع متأت من عادات المجتمع، وتمتلك النساء القدرة على الاحتفاء بهذا الشعور، ويجعلن من الرجال جنسا مسيطرًا عليه، وهذا يتأسس على معاني معينة مثل المزايا والجمال. ولأن هذا الشعور صار كما ذكرنا في حالة المجتمع، فإن الإنسان المتوحش لم يكن يتمثل هذا الشعور، ذلك أنه لم يكن موجودا لديه، إذ أن ذهنه لا يقدر على تكوين أفكار مجردة حول "الانتظام والتناسب"، كما أن قلبه لم يكن مهيأ لمشاعر الإعجاب والحب، حيث أن الإنسان المتوحش لا يصغي إلا للمزاج الذي تلقاه من الطبيعة، ولذلك كانت كل امرأة حسنة في عينيه.

اضطر الإنسان في الحالة الطبيعية إلى تغيير طريقة عيشه نتيجة المناخ والفصول، وساهمت طريقته في العيش في إدراكه لعلاقات معينة

إن الحب لم يكتسبه الإنسان إلا في حالة المجتمع، وهذا الشعور في نظر روسو يولد التشاؤم، ففي حالة الطبيعة لم يكن الإنسان المتوحش يرتبط بالغير لأنه لم يكن بحاجة إليهم، كما لم تكن له رغبة في إلحاق الضرر بهم، وفي المقابل كان مكتفيا بنفسه، وبالتالي لم تكن لديه من المشاعر ومن أنوار المعرفة إلا ما يناسب حالته تلك، وحتى حاجاته الحقيقية لم يكن يستشعرها، ولعله لا يبالي إلا بما فيه منفعة له، ثم إنه في تلك الحالة الطبيعية لم تكن تربية، فكان طبيعيا أن تتكاثر هؤلاء الأجيال دون جدوى. وما جعل روسو يمجد تلك الحالة هو أنه لا يوجد فرق بين إنسان وإنسان، على عكس حالة المجتمع التي شملت فيها هذا الفروق كافة مناحي الحياة.

تُولد فكرة التملك في ذهن الإنسان بالتتابع، ولعل أول شعور ألمّ بالإنسان هو شعوره بوجوده، وما كان يشغل باله هو حفظ بقائه، ذلك أن الأرض توفر له كل ما يحتاج إليه. وبواسطة الغريزة يستفيد من كل ما يحتاج إليه، والسبب في استدامة النوع البشري في الحالة الطبيعية من منظور روسو هو أن البشر آنذاك كانوا يمتحنون من الوجود شتى طرقه بواسطة الجوع واشتهاءات أخرى، وهذا الميل الأعمى كان مجردا من أي شعور وجداني، وذلك لم ينتج إلا عملا حيوانيا صرفا، إذ يمارس الجنسان غريزتهما دون مسؤولية، مما يؤدي إلى ولادة مولود جديد، هذا الأخير بمجرد ما يستطيع الاستغناء عن أمه، فهو يتركها كأنها لا تعني له شيئا، هكذا كانت حياة الإنسان في الحالة الطبيعية؛ وبمجرد ما بدأت المصاعب تظهر، كان لزاما على الإنسان المتوحش أن يتعلم كيف يتغلب عليها.

لقد اضطر الإنسان في الحالة الطبيعية إلى تغيير طريقة عيشه نتيجة المناخ والفصول، وساهمت طريقته في العيش في إدراكه لعلاقات معينة، ويتم التعبير عن هذه العلاقات بكلمات الكبير والصغير والقوي والضعيف والسريع والبطيء، وهذه الكلمات أوجدت لديه نوعا من التفكير من تلقاء نفسها. وبواسطة الأنوار الجديدة تمكن الإنسان من التفوق على الحيوان، حيث تمرن على نصب الفخاخ للحيوانات، إلى أن بعثت في الإنسان أول حركة من حركات الكبرياء بعد أول نظرة ألقاها على نفسه. يقول روسو: "في حين أنه لا يكاد يميز بعد بين مراتب الموجودات، وفي حين أنه يتأمل نفسه في المرتبة الأولى بفضل نوعه الإنساني، كان يعد نفسه منذ زمن بعيد لادعاء هذه المرتبة بنفسه بفضل كونه فردا".

لقد كانت الملاحظة من مميزات الإنسان المتوحش، وهذا جعل هذا الإنسان لم يكن يعرف معنى الاتصال، إذ أنه بمجرد ما يرى البشر مجتمعين، يدرك سبب تجمعهم، ويستنتج أن طريقة تفكيرهم وإحساسهم مطابقة لطريقته. وبواسطة التجربة يتعلم الإنسان أن حب طيب العيش هو الدافع الوحيد للأفعال البشرية، ومن ثم يستطيع التمييز بين ما تمليه عليه المصلحة المشتركة التي تقوده إلى مساعدة أقرانه، وبين المصلحة التي تجعله يحتاط منهم بفعل التنافس؛ وفي هذا الصدد يرى روسو بأن الإنسان في الحالة الأولى يتحد مع أقرانه اتحاد القطيع، أما في الحالة الثانية فكان كل واحد من البشر يسعى إلى نيل مغانمه إما بالقوة المكشوفة إذا امتلك القدرة على ذلك، أو بالكياسة والفطنة إذا شعر بأنه هو الأضعف.

أضحى كل إنسان ينتقم لنفسه قبل ظهور القوانين، ذلك أن الخيرية التي عرفتها حالة الطبيعة لا تصلح بهذا المجتمع الناشئ، مما استلزم تشديد الصرامة للعقوبات
 

لقد اخترع الإنسان المدني أدوات تسعفه في الحصول على احتياجاته، ويستخدم هذه الوسائل لتوفير أسباب الراحة والرفاه، ويرى روسو بأن ذلك كان بمثابة أول نير فرضه الإنسان المدني على نفسه، وهو أول مصدر للشرور، لأن الأمر سيصل بهذا الإنسان تجاه أسباب الرفاه إلى الشعور بقسوة الحرمان أكثر من عذوبة الرفاهية، يقول روسو:" كان المرء شقيا لفقدانها، دون أن يكون سعيدا بتملكها". وهذه المسائل لم يكن يعرفها الإنسان المتوحش، وهذا ما جعل حياته تسير بشكل فيه نوع من الاكتفاء.

بمجرد ما يبدأ الإنسان بالتقدير والاعتبار وتقويم الآخرين، يؤدي ذلك إلى ظهور أولى آداب المجاملة، وكل خطأ إرادي يصير إهانة، وفي هذا الخطأ يرى كل من يتعرض له احتقار لشخصه، ولقد كان الإنسان في الحالة الطبيعية طيب بطبعه بعد أن وضعته الطبيعة بين غباء البهائم وأنوار الإنسان المدني السيئة الطالع، ذلك أنه كان خاضعا للغريزة، ويستطيع اتقاء الشر الذي يتهدده، وبواسطة شعور التحنن يستطيع الإنسان المتوحش الابتعاد عن فعل الشر.

إن ظهور المجتمع يستدعي البحث عن صفات جديدة مخالفة للحالة البدائية، وهذا ما جعل الطابع الأخلاقي يتسرب إلى الأفعال الإنسانية، وأضحى كل إنسان ينتقم لنفسه قبل ظهور القوانين، ذلك أن الخيرية التي عرفتها حالة الطبيعة لا تصلح بهذا المجتمع الناشئ، مما استلزم تشديد الصرامة للعقوبات، بدل أن تصبح شروط الانتقام أكثر شرا؛ ولهذا أصبح رعب الانتقام يقوم مقام الوازع القانوني، ويقول روسو في هذا الصدد: "إن هذه الحقبة من نمو الملكات الإنسانية -وهي التي كانت وسطا بين بلادة الحالة البدائية وعنفوان حبنا الشخصي النشيط- كانت أسعد الحقبات وأكثرها دواما باللزوم، وكلما أمعنا النظر فيها، زدنا يقينا بأنها كانت أقل عرضة للثورات، وأفضلها للإنسان".

لقد كان الإنسان الطبيعي حرا ومحبا للخير وسعيدا، ولكن بمجرد ما احتاج إنسان لمعونة إنسان، وما أن تبين أنه من النافع لشخص واحد أن يكون له زاد شخصين اثنين، أدى ذلك إلى اضمحلال المساواة فيما بينهم، وتسربت الملكية بينهم، فصار العمل ضروريا، ومن ثم، تحولت الغابات الواسعة حقولا باسمة وجب أن تروى بعرق البشر؛ ولم تلبث العبودية ولم يلبث البؤس ينبثان وينموان بنمو الحصاد.



حول هذه القصة

تعهدت كل من السعودية والإمارات والكويت خلال قمة عقدت في مكة بتقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية للأردن تصل قيمتها إلى 2.5 مليار دولار.

تتجه العلاقات بين الولايات المتحدة وحلفائها الغربيين إلى توتر غير مسبوق منذ الحرب العالمية الثانية، بعد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترامب المفاجئ عن تأييده للبيان الختامي لمجموعة السبع.

تصدر فيلم الحركة والمغامرات الجديد “أوشنز 8” إيرادات السينما بأميركا الشمالية خلال الأسبوع الجاري، محققا إيرادات بلغت 41.5 مليون دولار، في حين تراجع “سولو: ستار وورز ستوري” إلى المركز الثاني.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة