النظام العالمي يمنع عاملاً من القعود على الكرسي!

مدونات - عامل محل بياع

كنت أتجاذب أطراف الحديث مع أحد أصدقائي المقربين، وقد ذهب حديثاً إلى إحدى الدول العربية، والتحق بالعمل في أحد المتاجر لبيع الملابس، وأخبرني أنه يظل واقفاً من الساعة 9 صباحا حتى الساعة 5 مساء؛ فسألته: ولماذا؟ فأخبرني لأن المكان ليس فيه كراسٍ للجلوس، وعندما طلبنا ذلك جاءنا رد صاحب المتجر قائلاً: لا يوجد كراسٍ أثناء فترة العمل لأننا نعتمد النظام الأمريكي الذي يفرض وقوف البائع طيلة الوقت حتى لا يدخل المشتري فلا يراك في استقباله!
 
أنهى صديقي حديثه وانصرف، وما زالت كلماته تخط أثرها في عقلي، ولم تنته المشغلة النفسية التي أحدثتها بداخلي، ولست بصدد مناقشة قوانين العمل أو قبول أحد الطرفين بها راضيا أو مكرها، ولكن هذا الموقف الصغير استدعى إلى ذهني بعض المظاهر التي أصبحنا نتبع فيها الغرب حذو القذة بالقذة، مظاهر استنزاف العامل وجعله ترسا في ماكينة ضخمة لا ترحمه، مظاهر استغلال المرأة كسلعة رخيصة مروجة لكل أنواع السلع الأخرى، وبدأ خيالي يجول في هذا النظام العالمي الذي تصدره الدول الكبرى إلى العالم؛ لتفرض نمطا معينا من الحياة، بدعوى العولمة تارة، أو تبادل الحضارات تارة أخرى، أو غيرهما من المسميات، فوجدته نظاما لا يحمل للبشرية سوى البؤس والألم والضنك، بل ويكرس كل طاقات البشر وإمكاناتهم لأجل حفنة من البشرية، تستولي وتسيطر على كل مقدرات المجتمعات.

 

بين عهدين
الشعوب في مجملها مغلوبة على أمرها، تتعرض لعمليات غسل أدمغة مكثفة؛ حيث يعرضون لهم إسلامنا على غير حقيقته، ونساهم نحن في دعم هذه الصورة المغلوطة بقصد

وانطلق خيالي بعيدا بعيدا؛ ليعقد هذه المقارنة المريرة بين واقعنا اليوم، وبين توجهات وتعليمات إسلامنا، التي عاشت تحكم البشرية قروناً عندما كنا نحن سادة الأرض، حيث ملأت الرحمة أرجاء الأرض، وعبقت الزمان بأريجها، والأمة تنشر مفاهيمها وتعاليم دينها بين الأمم، وتعلمهم حديث نبيها -صلى الله عليه وسلم-: "إخوانكم خولكم جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم" (البخاري)، أي دين هذا الذي يراعي إنسانية العامل إلى هذه الدرجة؟! بل ويوجههم في عدم أكل حقوقهم كما صح في الحديث: "أعط الأجير أجره قبل أن يجف عرقه".
 
فأي رحمة هذه التي حملها الإسلام للبشرية؟! وأي قسوة يريد النظام العالمي الآن أن ينمّط البشرية بها؟! لا شك أن أي منصفٍ يعقد هذه المقارنة يخرج بنتيجة مفادها: أن حاجة البشرية اليوم إلى الإسلام أكثر من أي وقت مضى، فالنفوس والهة، والعيون دامعة، والقلوب واجفة، والجنوب في مضجعها مضطربة، وليس أدل على هذا من تقرير منظمة الصحة العالمية بتاريخ 31 يناير الماضي والذي أشار إلى بعض الحقائق الرئيسة ومنها تسجيل حالات انتحار سنويا يبلغ تعداده 800000 إنسان؛ أي بواقع فرد كل 40 ثانية! فأي ضنك تعيشه البشرية اليوم؟! وأي مستنقعٍ آسنٍ تسبح فيه؟! وإذا أرادت البشرية أن تخرج من هذه الهوة السحيقة فهل لها مخرج غير الإسلام؟! وهل هناك ما يبعث الطمأنينة والأمان في القلوب أكثر من الإسلام؟! الدين الذي جعل النار مصيرَ امرأةٍ صادرت حرية هرة، وجعل الجنة مستقراً لمن أعطى شربةَ ماءٍ لكلب!
 

واجب المسلمين اليوم

وهذا يفرض على المسلمين واجبات عظام، وفي مقدمتهم علماء الأمة ومثقفيها وقادة الفكر فيها، واجبات تجاه الشعوب غير المسلمة، ويجب أن نفرق بين هذه الأنظمة وبين شعوبها، فالشعوب في مجملها مغلوبة على أمرها، تتعرض لعمليات غسل أدمغة مكثفة؛ حيث يعرضون لهم إسلامنا على غير حقيقته، ونساهم نحن في دعم هذه الصورة المغلوطة بقصد أو بغير قصد؛ ولذا فالمهمة الملقاة علينا جسيمة، وخيرية الأمة لن تتحقق إلا إذا تحركت بهذا الدين آمرة بالمعروف ناهية عن المنكر، باذلة قصارى جهدها في كل هذه الاتجاهات لننقذ سفينة البشرية الغارقة في أمواج المادية المتلاطمة، وإليكم بعض المقترحات:

   undefined

 

1- استخدام (السوشيال ميديا) إلى أعلى درجة، فعلى كل من يستطيع الحديث بغير اللغة العربية تسجيل ما يستطيع من أخلاقيات هذا الدين العظيم، ومواقف العظمة في تاريخنا وبثها بكل الطرق المتاحة.
2- حملات منظمة للجاليات الإسلامية في كل الدول وشرح محاسن الإسلام للشعوب.
3- منذ عشرات السنين لم يهاجر هذا العدد من علماء الأمة وخيرة أبنائها هربا من جحيم بلدانهم، ووجب استثمار هذه الطاقات البشرية، وتقديم الإسلام مجردا من أي أيدلوجيات أو مرجعيات .

 
4- يجب حث الموسرين على الإنفاق على طبع وترجمة كتب إسلامية تدعو هذه الشعوب إلى الإسلام، وأن هذه الأموال ستكون لهم صدقة جارية، وعلم ينتفع به.
5- لا شك أن عدم وجود دولة قائمة على المنهج الإسلامي كاملا، أدى إلى غياب صورة واقعية للرحمة والعدالة الإسلامية، وهذا يفرض على كل مسلم أن يكون سفيراً للإسلام بأخلاقه، حتى يأذن الله بقيام دولة الإسلام التي تكون نموذجا وقدوة لشعوب العالم.
   

خاتمة

ولا أستطيع أن أقول بأنني قد حزت قصب السبق بهذه الأفكار، ولكنني ألقيت حجرا في مياهٍ قد أصابها بعض الركود، لعلنا نستفيق من غفلتنا، ولا تشغلنا هموم أوطاننا الداخلية عن هموم الدعوة الإسلامية العالمية، فهلا تحركنا في كل المستويات، وقدمنا الإسلام بشتى الطرق؛ حتى تسعد البشرية بعد حزن، وتُسر بعد ألمٍ، وحينها -حينها فقط- يستطيع صديقي أن يجلس -في غير وقت العمل- على كرسٍ في متجره بأمان!