الأثر المفقود.. أين يقعد جبل الطور؟

blogs جبل
كثيرا ما لفت انتباهي وشغل خاطري وأنا أسترسل في قصص القرآن وأتأمل معانيها ما جاء من قصة موسى عليه السلام وبني إسرائيل. وخصوصا رحلتي الخروج. خروجه منفردا هربا من فرعون وملأه وخروجه ببني إسرائيل بعد أن رجع لمصر نبيا مكلما. أين كانت وجهته ومن أين عبر وما هي الأرض التي تشرفت بسيره عليها ولعل أكثر ما يستحث البحث ويلح بالتساؤل هو موقع وادي طوى المقدس وجبل الطور حيث نادى الله كليمه موسى وأظهر له آياته وأرسله إلى فرعون وملإه.

وقد ذكر الطور في مواضع عدة في كتاب الله تعالى وكلها بمعنى الجبل وخصص الطور الذي نادى الله عنده موسى عليه السلام بتحديد أكثر لموقعه وجهته بالنسبة لموسى فقال تعالى (وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا) وفي الآية الأخرى (يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ) فكلمة أيمن وصف لجانب كما يظهر من الآية الأخيرة.

وهذا الجبل (طور موسى) في مكان مبارك وفي واد مقدس كما يشير إلى ذلك قوله تعالى (إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ ۖ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) وقوله (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى) فأين هذا الواد المقدس وما هو ذلك الجبل المحظوظ الذي نودي موسى بجانبه؟ ولقد طالعت مقالا على موقع الحوار المتمدن (ذو التوجه العلماني) لكاتب يدعى محمد صفدي يدعي فيه خرافية وجود واد باسم طوى وجبلا باسم الطور وأن ما ورد في القرآن إنما هو تناص واستنساخ من التوراة مبررا ذلك بأن المقطع التوراتي الذي ذكر فيه الوادي المقدس طوى يشابه لفظ الآية القرآنية.

 

قد ذكر القرآن أن جبل طور سيناء ينبت الزيتون فقال (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) وهذا الوصف يوافق جبل الزيتون الواقع جنب القدس الشريف

ففي التوراة بالعبرية (شال نعليخا معال رجليخا كي همكوم اشير اتا عوميد علاف ادمات قودش هوا) أي (انزع نعليك من رجليك لأنك بالأرض المقدسة هوا) ولعمري ليس في هذا بصيص حجة لما يريد إثباته بل على العكس فالتقارب اللفظي بين المقطعين التوراتي والقرآني يدل على وحدة المصدر الذي هو الله جل جلاله مع العلم أن العربية والعبرية شديدتا التقارب لفظا ومعنا. ويقول هذا الكاتب في زعمه أن طوى هي تحريف لكلمة هوا الواردة أخيرا في المقطع التوراتي والتي بزعمه تترجم إلى هو ويزعم أن واضع القرآن استبدل الهاء بالطاء وكتبها طوى.

 

وهذا تجن مفضوح يفطن له من له أقل دراية بالتركيب اللغوي والتعبير في اللغة العبرية فلا يمكن بحال أن تكون هوا بمعنى هو ذلك أن كلمة أدامت قادش (والتي تعني الأرض المقدسة) هي لفظة مؤنثة فكيف يلحقها ضمير مذكر ثم إن التركيب في اللغة العبرية لا يستسيغ تأخير ضمير الفصل بل السليم إن افترضنا أن هوا بمعنى هو سيكون (هوا ادمات قادش) عكس ما ورد في المقطع الآنف. وبذلك يظهر أن هوا ليست بمعنى هو بل هي لفظ علم على ذلك الوادي المقدس وتلفظ عربيا طوى.

كذلك فإنه في أكثر التفاسير كما في أدبيات اليهود سنجد أن الموضع المذكور في سيناء والتي حسب الشائع هي شبه الجزيرة الفاصلة بين أفريقيا وآسيا وبين البحرين الأبيض والأحمر. غيره أنه بقليل من التدقيق يظهر أن في الأمر انتحال فليس في شبه الجزيرة المذكورة مكان يحوي جبلا بمواصفات جبل الطور ولا واد مقدس باسم طوى. بل إن لفظة سيناء هي من البابلية القديمة فسين هو إله القمر عندهم بينما لا يعرف هذا الاسم لشبه الجزيرة المذكورة في التاريخ القديم. فحسب النقوش الهيروغليفية الفرعونية كان يطلق عليها بياوو أي المناجم وفي فترة متأخرة سميت دومفكات أي خدود الفيروز لأنه كان يستخرج من هناك. أما في نصوص التوراة فوردت باسم حوريب وتعني الأرض الخراب الجرداء التي لا شجر فيها وهو ما يخالف صفة الطور حيث ينبت شجر الزيتون.

ثم إن موسى عليه السلام حين سار بأهله من مدين (تقع قرب الحدود السعودية الأردنية الآن) لم يتجه لشبه الجزيرة المذكورة لأنها تحت سلطة الفراعنة وهو خرج هاربا منهم. وبنظرة بسيطة للخريطة نجد أن الوجهة المتوقعة لموسى عليه السلام هي التوجه شمالا ليمر بمحاذات البحر الميت من شرقه خصوصا أنه يوجد في نفس المنطقة موضع باسم وادي موسى (اسم مدينة أردنية الآن) له نفس الاتجاه.

 نجد أن طور سنين الذي اقسم الله به في قوله (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) هو جبل جورسيم الواقع شمال القدس والمقدس عند طائفة السامرين اليهود
 نجد أن طور سنين الذي اقسم الله به في قوله (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) هو جبل جورسيم الواقع شمال القدس والمقدس عند طائفة السامرين اليهود
 

وإذا أمعنا في أسماء المواضع في هذا الحيز الجغرافي الذي تحرك فيه موسى عليه السلام سنجد صيغا تقارب هذا الاسم مع مراعات التحويرات اللغوية المعتادة مثل: طرطوس؛ طرابلس فاصلها طور طوس وطور بولس وإذا زدنا على ذلك أن حرف الطاء يقلب جيما في لغات منطقة الشام القديمة سنجد أن ألفاظا مثل جورجس وجرابلس إنما هي نفسها طرطوس وطرابلس وبالأخذ بهذه القاعدة سنجد أن لفظة طور سيناء تتحول إلى جور سيناء أو جور سالم وهي الاسم التاريخي للقدس الشريف فيكون جبل طور سيناء هو نفسه جبل الزيتون الذي يقع المسجد الأقصى عن يمينه بالنسبة للقادم من الشمال الشرقي بمحاذات البحر الميت وهي الطريق التي يتوقع أن موسى عليه السلام اتبعه حين سار باهله من مدين.

وقد ذكر القرآن أن جبل طور سيناء ينبت الزيتون فقال (وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِّلْآكِلِينَ) وهذا الوصف يوافق جبل الزيتون الواقع جنب القدس الشريف بينما لا يعرف عن شبه الجزيرة الواقع في مصر وجود لشجر الزيتون، وبهذا ينتفي الإشكال المتعلق بالطور وقداسته حين نعرف أنه هو نفسه القدس الشريف وأن البقعة المباركة التي نودي منها موسى هي صخرة المسرى التي تعلوها القبة الذهبية.

وبنفس الطريقة نجد أن طور سنين الذي اقسم الله به في قوله (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ) هو جبل جورسيم الواقع شمال القدس والمقدس عند طائفة السامرين اليهود حيث النون تقلب ميما في العبرية القديمة. هذه نتيجة توصلت لها بجهد ذاتي ولم أجد من ذكرها من أهل التفسير ولا في كتب أهل الكتاب إلا أني ألفيت لها قرائن كثيرة يضيق المقام لذكرها.