ما سبب وجود نسخ مختلفة من صحيح البخاري؟

مدونات صحيح البخاري
نعلم أن البخاري رحمه الله قد صنف صحيحه ثلاث مرات: في كل مرة كان يزيد فيه وينقص. وهذا من عنايته ودقته في التصنيف. فقد جاء في هدي الساري للحافظ ابن حجر أن البخاري قال: "صنفت جميع كتبي ثلاث مرات". وقد استغرق البخاري ستة عشر عاما في تأليف صحيحه. قال الحافظ ابن حجر في هدي الساري: أنه ابتدأ تصنيفه وترتيبه وأبوابه في المسجد الحرام، ثم كان يخرج الأحاديث بعد ذلك في بلده وغيرها، ويدلّ عليه قوله: إنه أقام فيه ست عشرة سنة، فإنه لم يجاور بمكة هذه المدة كلها. انتهى

 
فيفهم مما مضى أن البخاري كانت له على الأقل مسودة من صحيحه لم تكتمل ونسخة أخرى مكتملة. قال الإمام شهاب الدين القسطلاني في مقدمة إرشاد الساري 1/24 ردا على أبي الوليد الباجي: "وهذا الذي قاله الباجي فيه نظر من حيث أن الكتاب قرئ على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبا مبوبا، فالعبرة بالرواية، لا بالمسودة التي ذُكر صفتها". وقال الحافظ في هدي الساري: ولا ينافي هذا أيضاً ما تقدم لأنه يحمل على أنه كتبه في المسودّة وهنا حوّله من المسودّة إلى المُبيضة.
 
وهذين الأصلين بينهما اختلاف في ترتيب بعض الأبواب تقديما وتأخيرا، كما أن المسودة كانت فيها بياضات وتراجم لم تثبت بعد: فقد أخلى البخاري رحمه الله أول الأمر في بعض المواضع أبوابا مقتصرا على تراجمها، رجاء أن يقع له ما هو على شرطه فيرويه فيها فيما بعد. ثم أتم كل ذلك في نسخته المنقحة. والظاهرة أن النسخة الأخيرة قد احتفظ بها البخاري لنفسه فكان يستعين بها في الدروس التي يلقيها على تلاميذه، ثم انتقلت بعد وفاته عند تلميذه ووراقه محمد بن أبي حاتم النحوي الذي كان من أخصّ تلاميذ البخاري وأكثرهم ملازمة له.
 

نسخة الصغاني من صحيح البخاري المسماة بالنسخة البغدادية عدها ابن حجر من أصح النسخ، وذكر أن الصغاني قابلها على نسخة الفربري الأصل، التي هي بخط الفربري

أما المسودة فقد انتقلت لأبي عَبْدِ اللهِ مُحَمَّدُ بنُ يُوْسُفَ بنِ مَطَرٍ بنِ صَالِحِ بنِ بِشْرٍ الفِرَبْرِيُّ الذي سمع الصحيح من البخاري مرتين. مرة بفَرَبْرَ سنة 248. ومرة أخرى سنة 252 هجري ببخارى وقيل بفربر.قال الذهبي في سير أعلام النبلاء عند ترجمته للفربري ما نصه: "رَاوِي الجَامِعِ الصَّحِيْحِ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ البُخَارِيِّ، سَمِعَهُ مِنْهُ بِفَرَبْرَ مَرَّتينِ". ثم قال: "قلتُ -الذهبي-: قَالَ: سَمِعْتُ الجَامِع فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِيْنَ وَمائَتَيْنِ، وَمَرَّةً أُخْرَى سنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِيْنَ وَمائَتَيْنِ".
 
ومما يدل أن الفربري كانت له نسخة غير منقحة من الصحيح بخط البخاري ما قاله أيضا سليمان بن خلف بن سعد الباجي المالكي في التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح جزء 1 صحيفة 310: "وقال الحافظ أبو إسحاق -المستملي المتوفى سنة 376 هـجري- انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري فرايت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضه منها تراجم لم يثبت بعدها شىء وأحاديث لم يترجم لها". انتهى المراد
 
وبعد وفاة البخاري أراد الفربري استنساخ الأصل المكتمل فاستفاد من نسخة محمد بن أبي حاتم وراق البخاري وكتب بعض التقيدات لإتمام التراجم والأحاديث الناقصة وترتيب الأبواب. ومن الاستفادات التي استفادها الفربري من محمد بن أبي حاتم:
–  في كتاب المناسك: قال: محمد بن يوسف الفربري: وجدت في كتاب أبي جعفر قال أبوعبد الله الزبيربن عدي كوفي، والزبير بن عربي بصري.
–  في كتاب المظالم: قال الفربري: وجدت بخط أبي جعفر قال أبوعبد الله تفسيره أن ينزع منه يريد الإيمان.
 
ثم حرر الفربري بعد ذلك نسخته كاملة مستعينا بالمسودة والتقيدات التي استفادها من وراق البخاري وعارضها على أصل البخاري المنقح. والدليل على ذلك أن نسخة الصغاني من صحيح البخاري المسماة بالنسخة البغدادية عدها ابن حجر من أصح النسخ، وذكر أن الصغاني قابلها على نسخة الفربري الأصل، التي هي بخط الفربري، وأثبت ما في نسخة الفربري من تهميشات وزيادات وسؤالات فقال في فتح الباري: ثَبَتَ فِي نُسْخَة الصَّغَانِيّ الَّتِي ذَكَرَ أَنَّهُ قَابَلَهَا عَلَى نُسْخَة الْفَرَبْرِيّ الَّتِي بِخَطِّهِ .انتهى
 
وليعلم أن استفادة الفربري من نسخة ابن أبي حاتم تدل على أن النسخة المنقحة بخط الإمام البخاري بقيت مع هذا الأخير بعد وفاة المصنف. وقد تصدر الفربري لإملاء الصحيح بعد وفاة شيخه البخاري فأخذ عنه الكثيرون من أبرزهم:
– أبو إسحاق المستملي
– أبو محمد عبد الله بن أحمد بنُ حَمُّوَيْه بن يوسف الحموي السرخسي
– أبو زيد المروزي
– أبو الهيثم محمد بن المكي الكشميهني

 

undefined

 

فهؤلاء كلهم قد تلقوا الصحيح من الفربري بسنده عن الإمام البخاري. ثم قام ثلاثة منهم وهم المستملي والسرخسي والكشميهني بتحرير نسخهم من مسودة البخاري التي كتبت بخطه. ثم اجتهدوا بإكمال التراجم والأحاديث من التقيدات التي استفادها الفربري من ابن أبي حاتم لضبط نسخهم. قال سليمان بن خلف بن سعد الباجي المالكي في التعديل والتجريح لمن خرج له البخاري في الجامع الصحيح جزء 1 صحيفة 310: "وقال الحافظ أبو إسحاق -المستملي المتوفى سنة 376هـجري- انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي عند صاحبه محمد بن يوسف الفربري فرايت فيه أشياء لم تتم وأشياء مبيضه منها تراجم لم يثبت بعدها شىء وأحاديث لم يترجم لها فأضفنا بعض ذلك الى بعض". وأورده ابن حجر في مقدمة كتاب الفتح الصحيفة 16.
 

لا يُفهم أن تلاميذ تلاميذ البخاري أضافوا إلى الصحيح أحاديث ليست منه، إنما وجدوا تراجم ليس تحتها أحاديث فيذهبون إلى أحاديث البخاري ويضعون تحت الباب ما يرونه مناسباً من الصحيح

وقال العيني في عمدة القاري 23/180: يُروى عن أبي إسحق المستملي أنه قال: انتسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند الفربري فرأيته لم يتم بعد، وقد بقيت عليه مواضع مبيضة كثيرة فيها تراجم لم يثبت بعدها شيئاً ومنها أحاديث لم يترجم عليها فأضفنا بعض ذلك إلى بعض. قالوا: وقد وقع في النسخ كثير من التقديم والتأخير والزيادة والنقصان لأن أبا الهيثم والحموي نسخا منه أيضا فبحسب ما قدر كل واحد منهم ما كان في رقعة أوفي حاشية أو مضافة أنه من الموضع الفلاني أضاف إليه.
 
وقد ذكر الحافظ ابن حجر بعض الأمثلة المتعلقة بهذه المسألة، وجزم بأن تلك الزيادات هي من تصرف بعض النقلة الذين نقلوا من المسودة ولم ينقلوا من النسخة الأخيرة المنقحة. فقال رحمه الله في كتابه فتح الباري جزء 7 صحيفة 124: "ولم أقف في شيء من نسخ البخاري على ترجمة لمناقب عبد الرحمن بن عوف، ولا لسعيد بن زيد، وهما من العشرة. وإن كان قد أفرد ذكر إسلام سعيد بن زيد بترجمة في أوائل السيرة النبوية. وأظن ذلك من تصرف الناقلين لكتاب البخاري. كما تقدم مراراً أنه ترك الكتاب مسوّدة، فإن أسماء من ذكرهم هنا لم يقع فيهم مراعاة الأفضلية، ولا السابقية، ولا الأسنية. وهذه جهات التقديم في الترتيب. فلما لم يراع واحداً منها دل على أنه كتب كل ترجمة على حدة، فضم بعض النقلة بعضـها إلى بعض حسبما اتفق". انتهى
 
ولا يُفهم مما تقدم أن تلاميذ تلاميذ البخاري أضافوا إلى الصحيح أحاديث ليست منه، إنما وجدوا تراجم ليس تحتها أحاديث كقول البخاري " باب كذا وكذا" فيذهبون إلى أحاديث البخاري نفسه ويضعون تحت الباب ما يرونه مناسباً من الصحيح سواء من المسودة ذاتها أو مما وجدوه في نسخة الفربري التي انتسخها من الأصل بدليل قول المستملي "فأضفنا بعض ذلك الى بعض". فالنسخ مختلفة بالتقديم والتأخير وليس بالتبديل والتغير والدس والتحريف كما زعم بعض الجهلة.
 
ومما يدل على أن هؤلاء الثلاثة -وهم شيوخ أبي ذر الهروي- قد استنسخوا كتبهم من مسودة البخاري ومن استفادات الفربري عن وراق البخاري قول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح :"قال الفربري : قال أبوجعفر، هو محمد بن أبي حاتم البخاري وراق البخاري، وقد ذكر عنه الفربري في هذا الكتاب فوائد كثيرة عن البخاري وغيره، وثبتت هذه الفائدة في رواية أبي ذر عن مشايخه الثلاثة وسقطت لغيره. فلو كان هؤلاء الثلاث قد نسخوا مباشرة من كتاب الفربري الذي عارضه على أصل البخاري المنقح ما كتبوا في نسخهم: "قال الفربري: قال أبو جعفر".