صرخة مكتئب.. لماذا لم أعد أشعر بشئ؟

blogs اكتئاب

القارورة فارغة إلا من بعض قطرات ما زالت تلتصق في منتصف المسافة التي تربط بين القاع والفتحة العلوية، أهزّها لتسقط رويداً رويداً وأشاهدها بدهشة، هذا الفراغ المخيف الذي جعلني ألحظ مثل تلك التفاصيل المعتمة. الستارة الرثّة المعلّقة على الحائط تعيق مسار أشعة الشمس وتصادر رغبتي بتغلغل الأشعة الحارقة وجهي، خلفها الحائط المرصوف بعناية بين كل تلك الحاجيات البالية تجعلني أوقن أنّ المكان جميل ولكن نحن نلبس البشاعة بتلك الثنيات والأثاث الرثّ. أتحدّث الآن من الغرفة الفارغة من الأثاث والأنوار المكتظّة بالأشخاص الوهميين والأفكار الموحشة، والقليل من اللطافة، أتحدّث من البعد الآخر الذي انكشف بعد أن تعرّت الغرفة تماماً، أختبئ في منتصف العتمة لألّا تصادَر رغبتي بالبقاء هكذا، فراغ يملأني وما زال!

جوربي المثقوب من الكعب تتسلل منه البعض من التشققات التي أحاول دائماً إخفاءها، قد يظن البعض أنني كادح كثير الركض خلف رزقي، يا للمهزلة أن تحكم على شخص من كعب قدمه، هذه الخطوط الموجعة بسبب ركضي خلف الأشياء التي كانت لي ولم تعد كذلك، موجعٌ شعور الفقد بعد الكسب حدّ الإشباع، الفراغ حملني لأضع مثل السيناريو السابق، وحينما ذكرته لنفسي بصوتٍ عالٍ اتضح لي أنني محق، لا أدري فلم يحدث أن ناقشت أحداً أفكاري مسبقاً، لكنني محق ولا أحتاج شهادة أحد.

منذ يومين وأنا أشرب الماء فقط، أعيش على الماء، لا أكل ولا طعام غير الماء الفاتر، طعم الأكل كريه، الغدد اللعابية لا تقوم بدورها كما اللازم

الثقب في الباب الخشبي في مقدمته من الجزء العلوي كان دائماً مصدر قلق لي، لا أحبّ أن أسمع صوت اصطكاك حزامي الحديدي بالباب حين إغلاقه بعنف، الصوت مزعج لسببٍ قديم، وسببٍ جديدٍ يخنقني، وذكر كلاهما يغيب عن بالي قسراً مني فأنا لا أريد التذكّر، الثقب كان بيتاً لعلّاقة ملابس، لكنه أصبحَ ثقباً لأنني لا أحتاج الملابس بعد الآن، ملابسي التي ألبسها تحترق ولا أطيقها لكنني مكرهٌ على ارتدائها، مرة أخرى الفراغ جعلني أمحّص في فكرة كانت من الأساسيات التي لا يمكن مجادلتها، أيعقل أن يتجادل أحدهم في أن يلبس ملابسه أم لا؟ يا للسخف. المرآة تجلس مغطاةً بكومة من الغبار الكثّ، كنت أفتح النافذة كل يومٍ وأجلس خلف الباب أغطّي بكلتا يديّ وجهي، لا أريد أن يداعب الهواء وجهي فيلفحني، كل ما كنت أريده أن أجمّع الغبار على المرآة فلا أرى وجهي فيها، أنا وحيد ويسكن حياتي الفراغ وأعيش بغرفة أراها مكورة رغماً عني، ولا زلت أحترف الصمت والانصات للاشيء.

منذ يومين وأنا أشرب الماء فقط، أعيش على الماء، لا أكل ولا طعام غير الماء الفاتر، طعم الأكل كريه، الغدد اللعابية لا تقوم بدورها كما اللازم، أضع القليل من الطعام في فمي فلا يتحلل، يبقى على حاله حتى أمّل مكوثه بعد نصف ساعة فأخرجه مرغماً، الفراغ يجعلني أفكر في كمٍ هائلٍ من الطعام اللذيذ وشكله، حتى أنني في بعض الأحيان أشم رائحته التي تسللت بسبب التفكير المفرط فيه، لكن لا أستطيع الأكل، شيء ما يقف على حافة بلعومي كالمسمار المستدق، إنّه مؤلم بطريقة غير ملموسة. الدفتر الممزق في زاوية الغرفة يأخذ قسطاً من الراحة بعد المعركة التي حدثت على صفحاته، لقد جعلته يتحمّل أكبر من قدرته، الورق الذي تحول للأسود يروي القصة كلها بلون واحد، أنا آسف يا عزيزي، أهدرت أوراقك سدى، الوحش ما زال يسكنني ولم تؤثر عليه كثرة الحديث عنه، الفراغ الآن قادني للجنون، إنني أتحدّث إلى دفتر ممزق، يا للهول!

إنني منكمشٌ على نفسي، صوت دقّات قلبي المضطربة كما العادة بلا سبب أسمعها واضحةً بأذنيّ، أسناني التي تصطكّ توتراً بلا سبب أيضاً بعد أن تكسّرت حوافها من كثرة الشدّ عليها
إنني منكمشٌ على نفسي، صوت دقّات قلبي المضطربة كما العادة بلا سبب أسمعها واضحةً بأذنيّ، أسناني التي تصطكّ توتراً بلا سبب أيضاً بعد أن تكسّرت حوافها من كثرة الشدّ عليها
 

لا يوجد هاتف في المكان، أحياناً أفكّر هل من الممكن أن يدقّ الباب أحداً يسأل عنّي وأهرع لأرى من يمكن أن يتذكّرني، أنا صاحب البؤس الذي يتراشق من عينيّ واضحاً!، بالأمس حينما غفوتُ لوهلة كان هناك صوتٌ قويٌ كطرق الباب العنيف يدقّ في رأسي كالسندان، قبل أسبوعٍ أيضاً تكرر الصوت، وقبله بيومين أيضاً، لكن صوت الفراغ أعلى من أيّ صوت آخر، لا أستطيع التمييز بين الأصوات، ونسيتُ صوتي. أحاول أن أنام ولكن أشعر بالأرق، أختار أن أبدأ بالعدّ من المئة نزولاً للصفر في محاولة ليغلبني النعاس، لكن عقلي لا يستطيع متابعة العدّ بطريقة منتظمة، مئة سببٍ لأحزن، تسعٌ وتسعون شعرة سقطت من رأسي البارحة.. ثمانية وأربعين مربعٍ على الأرض، واحد وعشرون لقبٍ أطلقته على نفسي، أربعة عشر رقماً مكتوب على الحائط، تسع أحلامٍ حلمتها البارحة، خمسةُ دقائق نمتها قبل قليل، وواحد موجودٌ بالغرفة، لا أدري لماذا الفراغ يدفعني دائماً لعدّ أشياء لا تلزمني معرفتها، ولكن هذا ما يحصل.

 

إنني منكمشٌ على نفسي، صوت دقّات قلبي المضطربة كما العادة بلا سبب أسمعها واضحةً بأذنيّ، أسناني التي تصطكّ توتراً بلا سبب أيضاً بعد أن تكسّرت حوافها من كثرة الشدّ عليها، دائماً ما يحملني الفراغ إلى إلهاء نفسي بهذه الطريقة التي تستطيع جرف الوقت عن روحي بعضاً من الوقت، وتخفف من وطأة الأرق صديقي السعيد على عكسي، أتجنبُ الحركة لأنّ عظامي تصدر صوتاً مزعجاً، منكمشٌ لا يستطيع الحراك. مؤخراً جمعت كل التفاصيل التي تدور كالدولاب الذي لا يهدأ في رأسي وأناقش حجّة الفراغ التي تسطو على أفكاري مؤخراً، اكتشفت أنني كنت ممتلئاً طوال الوقت، ولكن كانت تنقصني الشجاعة لأعترف أنني مكتئب، نعم أنا مكتئب، إنني أصرخ؛ أنقذوني.