الرشوة.. المعاملة التي أضاعت حقوق العباد!

blogs نقود

هل سبق لكم وأن زرتم دائرة حكومية؟ هل استحققتم هذا الشرف وهذه الميزة؟ إذا كنتم لم تزوروها، ألا فزوروها! فثمّة أعراف ومفاهيم جديدة لم نعهدها، اعتدنا بأن نعدّها من المهلكات، فاستُبيحت، وتمّ الجور عليها. فإذا كانت المعاملة غير مهمّة، أكاد أُجزم بأنّك لن تكملها، وستمزّقها بمهارة، وتخفيها في أقرب سلّة مهملات، لكيلا تعيش الكابوس والجور معاً! وأماّ ان كانت معاملتك مهمّة، فإنك ستقرأ جميع الأدعية التي تحفظها، والسور القصيرة التي تتلوها عند الشدائد! حتى تمرّ هذه المعاملة من الموظف الأول، وهكذا.. إلى ما لا نهاية!

وكلّما اقتربت المعاملة من التوقيع، حدث حادث ما، وطُلب منك ورقة ما، وأُجّلت الى يومٍ ما، وأنت كالمسكين تركض من مكتب إلى مكتب، ومن طابق إلى طابق، لإتمام المعاملة، وكنت قد طلبت مغادرة عمل من مؤسستك لمدة ساعتين، فاضطررت إلى تمديدها لثالثة، ثم اضطررت إلى تحويلها إلى إجازة، وأنت تلهث بين المكاتب! فيأتيك أحدهم ويقول: أن معاملتك معقّدة، ولن تنتهي بأقل من ثلاثة أيام، فتنزل كلماته كالصاعقة على رأسك، ما العمل؟ ما الحل؟ والحل دائماً موجود، مبلغ من المال ترفقه مع المعاملة "ولا من شاف ولا من دري" وتنتهي القصة، وتعود إلى عملك وبيتك سالماً غانماً، فتدفع المبلغ على عجل، وتأخذ المعاملة موقّعة، وتعود منتصراً مؤزّراً!

وتتفاوت قيمة الرشوة "الحلوان" كما يسمّيها البعض، حسب منصب الموظف تناسباً طردياً، فكلما ارتفع منصبه، زادت رشوته! فليتسبّب هو، ولتدفع أنت! بأي حق؟ بحق كلمة "جرت العادة" وكلمة "الجميع يفعلون ذلك" وكلمة "الراتب لا يكفي" وكلمة "اتعاب" وكلمة "حلوان"… إلخ. بأي منطق؟ بمنطق القوي يأكل الضعيف، بمنطق شريعة الغاب، بمنطق أن الفساد نخر العظم، بمنطق الاستخفاف بالعقول والجيوب والآراء! بمنطق الأمر الواقع. بأي دين؟؟ هذا السلوك لا يقبله أي دين، ولا تقرّه أي شريعة! "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلّم الراشي والمُرتشي" رواه الترمذي.

استفحل ما يسمى بالفساد الصغير والذي يضم الرشوة والواسطة والمحسوبية! إنها ليست كعكة كبيرة يتقاسمها المتنفّذون، كما أنها ليس بقرة سمينة تكالبت السكاكين لتنهشها، إنها الوطن

ما دورنا؟ دورنا: ألّا ندفع، وإن كنّا في موقع سلطة: ألّا نأخذ! ودورنا: الشكوى على الموظف المرتشي، ودورنا إنكار المنكر، ودورنا عدم الخضوع لرغبات وأطماع الآخرين! ما دور المسؤولين؟ لا أزيد عن قوله صلى الله عليه وسلّم: "ما بال العامل نستعمله، فيأتينا فيقول: هذا من عملكم، وهذا أُهدي لي، أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر: هل يُهدى له أم لا، فو الذي نفس محمد بيده، لا يغلّ احدكم منها شيئاً الا جاء به يوم القيامة يحمله على عنقه" رواه البخاري.

يلجأ 50 مليون شخص في الدول العربية إلى الرشوة، للتسريع في قضاء حوائجهم وتحصيل ما تيسر من الخدمات، حسب تقرير منظمة الشفافية الدولية، ويعتبر هذا الرقم الصادم والمفجع هو مؤشر من مؤشرات الفساد في الدول العربية. كما وصلت نسبة المواطنين الذين يعتمدون على الرشوة في بعض الدول العربية إلى 77 بالمئة..! فكيف وصل هؤلاء المرتشين إلى أن تصبح الرشوة هي العرف السائد، والأمر الواقع! كيف استخفّ هؤلاء بجميع النصوص الشرعية، وبالقوانين والتشريعات الوضعية!

إن 90 بالمئة من الدول العربية حققت أقل من 50 نقطة على مؤشر مدركات الفساد والمفروض بأنه يتكون من 100 نقطة! من 6 من أصل 10 دول الأكثر فساداً في العالم هي دول عربية! هذا وقد استفحل ما يسمى بالفساد الصغير والذي يضم الرشوة والواسطة والمحسوبية! إنها ليست كعكة كبيرة يتقاسمها المتنفّذون، كما أنها ليس بقرة سمينة تكالبت السكاكين لتنهشها، إنها الوطن، الوطن الذي لن نستحق العيش فيه إذا لم نقم بحمايته.

إذاً، فهي منظومة متكاملة من الجهود، من المواقف ومن قول الحق، وعدم الانصياع للباطل! هي أن تقف موقف عزّ، ولا تدفع بالباطل، لأن الإثم عليك أيضاً وليس على المرتشي فقط، لأنك أعنته! ولأنه لن تنهض أمة بالرشوة، ولن تُبنى الحضارات بالرشوة، ولن تُعمر الأرض بالرشوة! لأن الرشوة فساد، وأنت تساهم في نشر هذ الفساد!