التطبيع بالمغرب.. صور تتكرر وتتكسر إعلاميا

مدونات - التطبيع بالمغرب

لا يبدو أن موضوع التطبيع في المغرب مع الكيان المحتل لفلسطين، سيتوقف على الأقل في الوقت الراهن، الذي يشهد سقوط العشرات من الفلسطينيين في قطاع غزة. فقد تجددت عملية التطبيع في الآونة الأخيرة بزيارة مجموعة من الطلبة الجامعيين، إلى تل أبيب في إطار زيارة منظمة " أي جي سي"، متواجدة بأمريكا تحتفل بالذكرى 70 لتأسيس الكيان المحتل. غير أن المحاولات المتكررة للتطبيع بين الفينة والأخرى تتكسر، بفعل الموقف المغربي الصلب اتجاه كل عملية تروم تغيير الصورة السلبية الملتصقة بالكيان المحتل لفلسطين. وينتظر أن تسجل عملية التطبيع الجديدة عاصفة من الإدانة داخل مختلف الأوساط السياسية والفكرية والجمعوية بالمغرب. خصوصا بعد تجدد جرائم الاحتلال في قطاع غزة أو باقي المناطق الفلسطينية المحتلة.

  
ومن اللافت أن العملية التطبيعية الأخيرة ترفع شعار رد الاعتبار إلى التراث اليهودي والدفاع عن روح التسامح بين المكونات الدينية بالمغرب. لكنها في الواقع تدخل في إطار ترميم الصورة الإعلامية المهترئة اتجاه الكيان المغتصب التي لم تكتمل رغم كل المجهودات لتزيينها، رغم مرور سبعين سنة على الاحتلال. ومن ثم فهي تروم تكسير حملة محاربة التطبيع التي تبناها المغاربة بكل أطيافهم السياسية والنقابية والجمعوية.

 

فبعد ترميم الصورة المهترئة للكيان، تسهم باقي المحاولات في صناعة وترسيخ صورة ذهنية مزيفة أخرى في الزمان والمكان في أذهان باقي المغاربة

وكان صحافيون مغاربة بعضهم منتحلون للصفة، زاروا في مطلع فبراير الماضي مدن حيفا والقدس. لا يحمل أغلبهم بطاقة الصحافة المهنية حسب لوائح الصحافيين المهنيين الصادرة عن وزارة الاتصال برسم سنة 2017. وبعضهم لا تجمعه أية علاقة رسمية بأي مؤسسة صحفية. وعموما تهدف تلك المحاولات التطبيعية من المغاربة، القبول بجرائم الكيان المحتل لفلسطين، لكي لا تلقى ردود فعل تذكر. فالتطبيع مع هذا الكيان، يبحث في بناء علاقات رسمية وغير رسمية، سياسية واقتصادية وثقافية وعلمية.. بغرض التسليم له بحقه في ابتلاع أرض فلسطين، وبحقه في بناء المستوطنات وفي تهجير وتشريد الفلسطينيين وفي تدمير القرى والمدن ..

  

كما تعد تلك الخطوات التطبيعية محاولة تجميلية للإشادة بدولة الاحتلال. وهي تدخل في خانة الدعاية السياسية المجانية لكيان غاصب. ومحاولة لاختراق موقف الشعب المغربي الثابت من القضية الفلسطينية، وللمواقف الرسمية المغربية منها ومن وضعية القدس. هذه الخطوات يعتبرها منتقدو التطبيع في المغرب محاولات فاشلة ولا جدوى منها، أمام ممارسات الاحتلال وحربه العدوانية على شعب يقاوم لأجل أرضه وعرضه.

  
وفي محاولة لقراءة تلك الخطوات التطبيعية من منظور إعلامي، يظهر أن الأخيرة، تروم ترميم الصورة السلبية التي تجذرت في الوعي المغربي حول جرائم الاحتلال ولو باستعمال بعض الأشخاص الغير المعروفين، الذين لا يشكلون أي حضور لافت في المجتمع المغربي، بل يسعون للبحث عن مصالح شخصية من خلال تلك الزيارات التطبيعية، وتستغل زيارتهم لأجل خلق ضجة إعلامية. بعد تأهيلهم لخلق شرخ في المجتمع المغربي، ومن ثم إحداث التفتت والهزائم النفسية للانصياع والقبول بالأمر الواقع والاعتراف بالاحتلال الشامل لفلسطين. ويتم ذلك، بعد انتشار اليأس والإحباط في الوعي المغربي والإسلامي عموما، الذي يحتفظ بسلامته وعافيته اتجاه قضية اغتصاب فلسطين.
     undefined

  

فبعد ترميم الصورة المهترئة للكيان، تسهم باقي المحاولات في صناعة وترسيخ صورة ذهنية مزيفة أخرى في الزمان والمكان في أذهان باقي المغاربة. لتحقيق مزيد من الاستقطاب والإبهار لدى مجموع المغفلين والمتسلقين والمستفيدين من جراح الآخرين.. فتلك المحاولات التطبيعية تضخ سيلا متدفقا من الصور القوية المعدة للاستهلاك عن طريق تلك الزيارات، التي من شأنها أن تؤدي لخلق انطباعات وتدعيمها، سواء أكانت ذهنية أم نمطية لتكريس موقف الاحتلال، بغرض إبعاد تهمة الاغتصاب عن الكيان المحتل. فهي تؤدي في النهاية دورا مهمّا ورئيسيّا في بناء نموذج جديد يراهن على مواكبة التغيّرات والتطلّعات في تكريس المستجدات في قضية فلسطين المحتلة.

  
فالتطبيع يختار تسويق المعلومات التاريخية الخاطئة وفقا لرؤاه. وهكذا تنقل الآراء والأفكار وتدعم الصورة الذهنية الموجودة سابقاً في أذهان الأشخاص فتضفي عليها بعداً أوسع نطاقاً وثقة إضافية. ويعمل التطبيع بكل وسائله بمراحل عديدة في صناعة الصورة الذهنية، وتتمثل في خلق صور جديدة عن الاحتلال لم تكن موجودة أصلاً. والعـــــمل على تقوية وترســـيخ التصورات الموجودة عن براءة الجرائم المرتكبة في حق الفلسطينيين. ثم إجراء تحويل وتغيير للتصورات الموجودة الخاصة بفلسطين الأرض والتاريخ والشعب.. ومن المثير للانتباه أن الصورة الخادعة للتطبيع لم تتحول رغم عقود، إلى سلطة رمزية وتأثيرية قادرة على التوجيه والتأثير على الوعي الاجتماع المغربي. رغم ما تتوفر عليه من المثيرات الحسّية والعقليّة والانفعاليّة للنفوس في طبيعة وطريقة عرضها. لأن عموم المغاربة يدركون تماما أن ما هو غير طبيعي، لن يكون طبيعيا في يوم من الأيام..

  
فمع كل محاولة للتطبيع، تزداد الرغبة لدى المغاربة لمواجهته، حتى ترسخ لديهم قناعة قوية لمقاومة التطبيع، وهذا راجع إلى قوة الوعي المجتمعي ومتانته بالمغرب باختلاف حساسياته ومكوناته وتوجهاته، الذي حال دون تحقيق نتائج تطبيعية مهمة. وبات الحديث قويا، أن الزيارات التطبيعية محاولات فاشلة لزرع الحياة في كيان متهالك، والتخفيف من وطأة المقاطعة والحصار الذي تفرضه العديد من الدول في العالم على الكيان المحتل، لإعطاء نفس جديد لارتكاب جرائم ضد المقدسات. بل زاد الأمر حين ارتفعت دعوات من فعاليات جمعوية عديدة بالمغرب، لإخراج قانون معاقبة محاولات التطبيع، والحث على التعامل بجدية وإنفاذ القانون لمعاقبة المطبعين مع دولة الاحتلال.