المعلم الإنسان.. في عِشرة طلابي وجدت صفاء الروح

مدونات - معلمة مدرسة طلاب تعليم
معلّمةُ لغة عربيّة، بدا الوصف غريبًا بدايةً، أن تُختصَر بوصفٍ مهنيّ، مربكًا أحيانًا لشدّة المسؤوليات التي تهافتت عليك فجأة، فالرِّسالة والمعلِّم ثنائيٌّ لا يفترقان، اقترانٌ يبعث الرّهبة في البداية، فحقّ الرّسالة غالٍ، ووصفٌ مُدهشٌ بل وباعثٌ لأشواقك الإنسانيّة دومًا. منذ أول ليلة عملتُ فيها كمعلّمة أصبحتُ أفكر في طلابي على مخدّة فراشي، بل أحلمُ بهم، أخطط بم سنتحدّث غدًا، كم طفلةً ستُعانقني قبل الطابور المدرسيّ، كيف سيزداد الباعث لتلك الأحضان قبل أن يزداد عددها أصلًا؟ لطالما تراءى لي منذ بداية عملي إلى الآن صورة المعلّمة التي يحبّ الأطفال دخولها عليهم، بل إن هذه كانت إجابتي على سؤال طُرح في مقابلة العمل: "أي معلّمة ستكونين؟".

 

في كلّ مرّة كنت أكتب فيها خطّتي الأسبوعية للمادة التي سأشرحها ذاك الأسبوع، تأتي الحصة الدّراسية-إذا استثنينا مادة المنهاج ورتابتها وما هو مطلوبٌ أكاديميًا- على شكلٍ مُغاير تمامًا، أُفاجَأ بتعليق أو مداخلة، بشيء ما تولّد في تلك الرّوح في ذلك الحين فنطقَته، بشيء ما أحببت مشاركتهم إيّاه ولم يكن بالحُسبان، -صورة التطقتُها مثلًا أو مقطعٍ أعجبني!-، بالـ "آها" التي تمتدّ من حنجرةٍ مدهوشة وعينٍ متأملة، بالابتسامات والضحكات التي تخرج من فمي بعفويّة حينًا وغصبًا حينًا آخر لئلا تفقد الحصّة "هيبتها" حين يجب ألّا تُفقد.

 

أسمح لطلابي أن يعيشوا تجاربهم الخاصّة دون الإملاء عليهم بتجاربي كما أُملي عليهم نصًا ما في حصّة الإملاء، دون أن أُجبرهم على أن يكونوا أحدًا أو يتبنّوْا كيانًا أو تصوّرًا ما

أحسُّ أحيانًا أنني أحتاج أن أمثّل دورهم وكأنّني لم أشبع منه، ربّما هذا هو أكثر ما يُغريني في تأملهم ومشاركتهم فُسحاتهم، أفكر في اختلافاتهم المُذهلة، بما سيؤول إليه كل واحدٍ منهم وما قد يلتقي به في حياته فيقلبها كالسّحر، ببساطةِ عيْش اللحظةِ في أذهانهم، سهولة الأحضان وعُمقها، وكلمة "أحبّك" التي قد يخطّونها على أوراقٍ ستكون في حوزتي بعد حين جاهلين الابتسامات التي تُرسم إثرَها، في بساطة القلوب المرسومة حولها، في اختيار بعضهم المشي معي في الفُسحة بدلًا من اللعب، في براءة الشعور ووصفه، بل وفرحتي بهذا كلّه! في شخصيّاتهم التي بدأت تتبدى، فيختارُ واحدٌ منهم المُحاماة، وآخر الشريعة، الثالث الهندسة، والأخير الطّب كوالده! وتفهمَ أنتَ تِباعًا لهذا هذه التّركيبة الإنسانيّة الباعثة للدّهشة. في صفاء ردّات أفعالهم التي أثمرتها مُعاملة آبائهم، فإيجابًا وسلبًا، في أعيُنهم المتوقّدة التي تُجبرني على إزاحة النّظر متبسِّمةً من شدّة توقّدها أحيانًا!

 

ولا أستثني تلك اللّذة التي يتركها استِحضار اللّغة والمسمّيات يومًا بعد يوم على ألسِنتهم، السّؤال عن معنى ما، تعقيبٌ أثريتُ به حصةً دراسيةً فأسمع صداه مرارًا وتكرارًا حتى خارج الحصّة. أستحضر حينَ أُفكّر في هذا كلِّه، قول القائل أنه ما إن كان عملُنا مستقبلًا مقتصرًا على تعليم الصغار فإن عقولنا ستصغر حدّ عقولهم، وكأن تجارب الحياة تقتصر على العمل، فلا جوانب أُخرى في حياة الإنسان تُنضجه أيضًا! لكن بعد التجربة أدركتُ أن عقلي كعقولهم يحتاج أن يكبُر بفكرة أو لمحةٍ كل يومٍ ولكن بأيدٍ طفوليّة هذه المرّة، تمامًا كما تحتاجُ روحي الاتّساعَ بضحكاتهم ونقائهم ودهشتهم وأحضانهم فيُنتزَع منها الحزن انتزاعًا.

 

أيضًا أتذكر حبيبنا محمّد -صلى الله عليه وسلم-، كيف كان يُنّزل عليه الوحي وهو يلعب مع غلمانه، وأفكّر، لماذا حينها تحديدًا؟ ربّما لأن في عشرتهم من صفاء الرّوح ما يُسكب فيها ويكفي حتى يستوعب المرء حِملًا جديدًا، ذاك الحِمل التي تضيق به أرواحنا نحن أحيانًا، وهو مألوفٌ وموصول منذ مئات السنين، فكيف بمن سيدركُه أول مرة! بل ويحمِّله على أكتافَ أمةٍ بأكملها.

 

أستحضر القول ذاته أيضًا في كلّ حصة دراسيّة، ولكن هذه المرّة بألا أكون القائل، بل أن أسمح لطلابي أن يعيشوا تجاربهم الخاصّة دون الإملاء عليهم بتجاربي كما أُملي عليهم نصًا ما في حصّة الإملاء، دون أن أُجبرهم على أن يكونوا أحدًا أو يتبنّوْا كيانًا أو تصوّرًا ما، دون أن أخُط الطرق التي يجب أن يحذوْها، بل أن أنثرها بين أيديهم!

 

أفكر في صناعة الإنسان التي لطالما أشغلتني، أن تترك أثرًا بل ويطيب، أن تبني وتستثمر في روح ويمتدّ البناء، لأدركَ ألّا شيء قد يُمنح كعملٍ من القلب كما يكون "التعليم"، ألا أحد يمنحُ بطيب خاطر كما يكونُ "المعلّم الإنسان".