من موت الشعوب قام شعب!

مدونات - الاردن

لم يعد يخفى على أحد ما آل إليه الأردن من فساد وشقاء واستغلال للمواطن، والتعرض بكل الوسائل لأبسط حقوقه، إذ بات يتعرض المواطن لهجمة شرسة تستهدف فيها جيبته، وتمتهن كرامته، وتهدد أمنه واستقراره، ولم يعد أحد يشك أنها إذا استمرت هذه الهجمة، فإنها حتما لن تؤدي إلا إلى الهلاك. هنا أسنت الحياة وتعفنت، وضاقت على كل الشعب بكل أطيافه ومكوناته، فأصبح كل مواطن منهم كالقابض على الجمر، لشدة ما يعتصر قلبه من ألم ومشقة في الحياة. هنا كنا نفخر دوما بالأمن والأمان الذي نعيشه في ظل الظروف التي تحيط بنا من كل صوب، ولكن أين يكمن الأمن والأمان الآن إذا أصبح المواطن يخشى من فقدان رغيف خبزه، الذي هو أقل حق له في هذا الوطن للعيش بحرية وكرامة واطمئنان.

    
لقد انتشر الفساد كثيرا وزاد عن حده، واستخدمت كل الطرق للتضييق على الناس ومحاربتهم في لقمة عيشهم، وزرع الخوف في قلوبهم من خلال تذكيرهم بأحوال البلاد التي حولنا، وتخديهم بالكلام المعسول تارة، والضغط والتخويف تارة أخرى. الوطن الآن صار يتعرض للعنة التي كنا نسمعها ونراها في الأوطان التي حولنا، والتي كنا نقرأ عنها في الخيالات والأساطير، ولست أعلم من هو المستفيد من هذا كله!!، وهل حول هذا الضغط الكبير على الشعب زمرة من المستنفعين؟ وما هو الهدف من إرهاق المواطن واستهدافه في طعامه وشرابه وتعليمه وصحته.

   

بلغ الفساد الأردن ما بلغ، وأصبح المساس بكرامة المواطن شيئا عاديا تحسبه الحكومة بعدما ملكت جيبته، وسلبته أبسط حقوقه، كانت الحكومة ترفع شعارها "جيب المواطن أغلى ما نملك"

الوطن الآن بات مثل رقعة الشطرنج، فيه كل ما يضمن لنا حياة أمنة مطمئنة، ولكن مشكلتنا الكبرى.. من الذي يتحكم بجغرافية هذه الرقعة؟، وهل كل هؤلاء يتحركون بإرادتهم الكاملة؟، ولماذا كل هذا التخبط في القرارات من قبل الوزارات والنواب والجهات المعنية؟

  
أيقن الشعب الأردني أنه لا حياة بلا وطن، ولا وطن بلا حياة حرة كريمة، وأن كرامة المواطن خط أحمر لن يسمح لأحد المساس فيه، وأيقن أن الفساد لن يتوقف حتى يسلبنا كل ما نملك، وأن المسافة بين العيش الحر في الوطن والثورة هي تلك المسافة التي تقاس بمسطرة المستحيل، المستحيل هو القضاء على الفساد العيش بكرامة.. لكنهم أيقنوا أيضا أن بإمكانهم جعل الصعب سهلا والمستحيل ممكنا إذا كانوا على قلب رجل واحد.

  
الكل كان متألما على ما يحدث لهذا الوطن، مشفقا عليه من الفاسدين، خائفا من الأيام القادمة، متثاقلا من التقدم خطوة واحدة للأمام، فتدفعه ألف خطوة نحو الخلف، كان الشعب يقف في مكان برزخي بين الجنة والنار، خائفا من تكلمٍ يُسقطه في الجحيم، ومن صمت يؤخره عن دخول الجنة.

  
ظل الشعب الأردني صامتا فترة طويلة من الزمن، حاملا على عاتقه فساد الحكومات المتتالية التي كلما جاءت حكومة لعنت أختها، رافعا شعاره الذي سيبقى متمسكا به "ليس المهم أن نتأذى نحن، المهم أن لا يتأذى الوطن" لكن الحالة ازدادت سوءا، وبلغ الفساد ما بلغ، وأصبح المساس بكرامة المواطن شيئا عاديا تحسبه الحكومة بعدما ملكت جيبته، وسلبته أبسط حقوقه، كانت الحكومة ترفع شعارها "جيب المواطن أغلى ما نملك" في نفس الوقت الذي يهتف فيه الجميع أن الوطن أغلى ما نملك.

    
بانضباط شديد، وبقيادة الشعب لنفسه، وبضبط النفس في أعقد الأيام وأشدها حلكة وظلاما، وبإصرار على سلوك الطريق السلمي في المعارضة، بل المبالغ في السلم، وبمشهد رسم بقدرة فنية عالية، وبخطوط واضحة وجميلة للبعد السياسي والاجتماعي، وبتآلف الشعب بكل أحزابه وأطيافه ومكوناته، وبأخوة لم نر لها مثيل في ميادين الاعتصامات، نزل الشعب الأردني إلى الميادين مطالبا بحقوقه التي سلبتها الحكومة، ولزم الهدوء في كل خطواته، وعلم الجميع المعنى الحقيقي للربيع العربي، وعلى الرغم من صعوبة الموقف وضنك العيش، إلا أن الشعب الأردني أثبت بأخلاقه العالية أن الطريق إلى الجنة أصبحت قريبة جدا، وأن الشدة ستزول ليأتي الفرج، وأن الحزن سيذهب ليعم الفرح، وأن الشعب سيبقى متمسكا ببعضه البعض، واثقا من تحقيق مطالبه، مؤمنا أن الرياح ستهب لتدفع السفينة نحو النجاة.