شعار قسم مدونات

الدَّرس الكوريّ.. هل لنا أن نتعلم من تجارب الأخرين؟

blogs كوريا الشمالية و الجنوبية

ما زال غيرُنا -نحن العرب- يصنعُ الحَدَث ويعيد ترتيب التاريخ، وما زلنا نحن نتفرَّج، فلا حدثَ نصنعه ولا تاريخَ نخطُّه أو نعيد ترتيبه! فإلى متى سنبقى على هذه الحال دون الإفادة من تجارب الأمم الأخرى أو التَّعلُّم من دروسهم؟! وما المصالحة الكوريَّة التي حدثت مؤخَّراً إلّا أنموذجٌ ليس بالأوّل ولن يكون الأخير من هذه التجارب والدروس، وبإمكاننا عكس هذه التجربة على واقعنا وحالنا اليوم، علَّنا نستطيع الإفادة من هذا الدرس الكوريّ الجديد القديم.

ففي عام 1948م قام الاتحاد السوفييتي بالانسحاب من كوريا الشمالية، وفي نفس التوقيت انسحبت الولايات المتحدة الأمريكية من كوريا الجنوبية. بعد ذلك بعامين في العام 1950م شنّت كوريا الشمالية هجوماً على جارتها الجنوبية متجاوزةً بأكثر من 75 ألف جندي خط العرض 38 الذي كان يفصل بين الدولتين، فبدأت بذلك حربٌ استثنائية دمويّة بين الكوريتين استمرّت قرابة ثلاث سنوات، وصل عدد الضحايا فيها إلى أكثر من خمسة ملايين!

وكان هذا العدد مرشّحاً للازدياد، وحتى أنَّه كان من الممكن أن تنشب حرب عالميَّة ثالثة بين الولايات المتحدّة وحلفائها الغربيين الذين كانوا يدعمون كوريا الجنوبية من جهة وبين الاتحاد السوفييتي والصين اللذَين دعما كوريا الشمالية في الجهة المقابلة لولا التوصّل إلى هدنة في عام 1953م أنهت أول وأكبر الكوابيس التي كانت قد راودتِ العالم بنشوب حربٍ عالمية ثالثة ستكون أكثر دمويّةً وتدميراً من سابقتَيها.

كانت هناك مساعٍ من قِبل عدّة أطراف لعقد صلْحٍ بين الكوريّتَين ولكنّ طلب ترامب الاستفزازي  ساهم بتكثيف تلك المساعي الدولية لتحقيق المصالحة

ظلّت هذه الهدنة بصفتها كـ "هدنة" دون أن تتحوّل إلى معاهدة سلام بين الجارتَين حتى يومنا هذا، ولكن رغم الهدنة كانت تحدث بين الحين والآخر على مرَّ هذه السنوات بعض المناوشات العسكرية على الحدود في المنطقة العازلة بين البلدَين، وفي هذه المنطقة أيضاً التقى رؤساء الكوريّتَين أكثر من مرّة للتفاوض على صًلحٍ لم يتمّ، كما بقي أيضاً الدعم الأمريكي-الأوروبّي لكوريا الجنوبية من جهة والذي منحها حمايةً من أيّ اعتداءٍ أو هجومٍ مُحتمَل من قِبل جارتها الشمالية وجعلها مُنفتحةً على العالم الخارجيّ مُنافسةً بتطوّرها وصناعاتها واقتصادها كُبريات الدول في العالم، وبقي الدعم السوفييتي ومن ثمَّ الروسي لكوريا الشمالية من الجهة الأخرى الذي جعلَ منها فقط أداةَ ابتزاز بيد الروس ضد الولايات المتحدة وحلفائها، مُنغلِقةً على نفسها، معزولةً عن العالم الخارجيّ، تعيشُ في دكتاتوريّةٍ مقيتة كحال كلِّ بلدٍ يكون أداةً بيد روسيا

في العام الماضي طالب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب كوريا الجنوبية بدفع "فاتورة الحماية" التي يوفّرها لها نطام الدفاع الصاروخي (THAAD)، الذي تُقدَّر قيمته بمليار دولار أمريكي! وهو ما لم يعجب المسؤولين في كوريا الجنوبية، فعلَّقت حينها وزارة الدفاع في سيؤول على ذلك بقولها: "لم يحدث أي تغيير في موقفنا الأساسي، بأن حكومة كوريا الجنوبية توفر الموقع والبنية التحتية لـ (THAAD)، ويتحمل الجانب الأمريكي تكاليف نشره وتشغيله وصيانته".

في ذلك الوقت كانت هناك مساعٍ من قِبل عدّة أطراف لعقد صلْحٍ بين الكوريّتَين ولكنّ هذا الطلب الاستفزازي من ترامب ساهم بتكثيف تلك المساعي الدولية وعلى رأسها الصينية لتحقيق هذه المصالحة إلى أن شاهدنا اللقاء التاريخي الذي حدث قبل أسابيع بين زعيمَي البلدين في الجزء الجنوبي من شبه الجزيرة الكوريّة، والذي تعهَّد بموجبه الرئيس الكوري الشمالي كيم جونغ-أون تعليق إجراء التجارب النووية في الوقت الحاضر، كما أنّه قد أُعلِنَ في هذه القمّة الكوريّة أيضاً أنّه سيتمّ العمل لتحويل هدنة عام 1953م والتي أوقفت الحرب بين البلدَين إلى اتفاق سلام نهائيّ.

إمّا توحيد الجهود والمواقف وتناسي الخلافات العربية-العربية. وإمّا الرضوخ للاستفزازات التي لا يُلمَحُ لها نهاية
إمّا توحيد الجهود والمواقف وتناسي الخلافات العربية-العربية. وإمّا الرضوخ للاستفزازات التي لا يُلمَحُ لها نهاية
 

وهذه التجربة الكورية في الجنوح إلى السلم وتوحيد الجهود والمواقف بعد الحرب والاستفزازات إنّما تجعل حقيقة أنّه لا يمكن لروسيا أن تكون جزءاً من السلام أو التوازنات الدولية أكثر وضوحاً وتجلّياً، كما أنَّها تجعل من استفزازات ترامب ومطالباته المستمرّة وتخييره إمّا المال وإمّا مواجهة المصير وحيداً أمراً يمكن أن يتمَّ تحدّيه والرَّدّ والتغلُّبَ عليه! كما أنَّها تضع العرب أمام تحدٍّ جادٍّ لاستفزازات ترامب المستمرّة من جهة وإرهاب الرّوس في سوريا واستعراضاتهم العسكرية على السوريين من جهةٍ أخرى، ناهيك عن العدوّ الأزلي للأمّة المتمثّل بالكيان الصهيوني، فنكون بذلك أمام خيارَين لا ثالث لهما: 

فإمّا توحيد الجهود والمواقف وتناسي الخلافات العربية-العربية والنهوض بالموقف العربي في مواجهة الرُّوس والإيرانيين في سوريا وخطرهم على بقية البلاد كجسدٍ واحد صلب وبذلك تعود روسيا إلى حجمها دون أيّ دور لها في البلاد العربية فيتلاشى خطر ما يُعرَف بـ "المدّ الفارسي" وتنتفي الحُجّة التي بسببها يستمرّ ترامب باستفزازاته. وإمّا الرضوخ لهذه الاستفزازات التي لا يُلمَحُ لها نهاية في المدى المنظور، طالما أنّ العرب لا يتناسون "خلافاتهم" وليسوا موحَّدي الموقف في مواجهة الخطر الإيرانيّ!

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.