شعار قسم مدونات

السودان.. الوطن الذي يوشك أن ينهار (٢)

مدونات - السودان
في المقال السابق هنا في مدونات الجزيرة تعرضنا لأثر تآكل الطبقة الوسطى على تأخر الإصلاح. وهنا سنحاول أيضا فهم البعد الاجتماعي كمبرر للصمت على الاستعداد. معرفة الطبائع الاجتماعية لأي مجموعة بشرية يساهم بشكل كبير في فهم وتوقع تصرفات تلك المجموعة. والسودانيون بالرغم من أنهم شعب متعدد الثقافات والأعراق إلا أنه يكاد يتفق على قداسة العلاقة الاجتماعية، سواء كانت تلك العلاقة ذات صلة بالقرابة أو المصاهرة أو النسب أو حتى بالقبيلة. وقداسة تلك العلاقة تتجاوز قداسة الدين نفسه في بعض الأحيان؛ فالمجاملة الاجتماعية تتجاوز كل المقدسات ناهيك عن القوانين. وأهل السودان مشهورون بذلك؛ فكم من مخالفات قانونية في جسم الدولة لم تحسم لقرابة يستعصم بها. وكم من تضحيات لا فائدة منها قدمها أصحابها طواعية أو قسرا إرضاء للعلاقة الاجتماعية.

 
ولعل الحكومة الحالية عرفت ذلك الأثر؛ فانتشر مؤيدوها بين المناسبات الاجتماعية من أفراح وأتراح ومن مال الدولة توزعت الهبات لزعماء القبائل وشيوخ المناطق فضمنوا بذلك ولائهم وولاء من يقرب لهم ومن تحت سيطرتهم. قد يحتج البعض بأن البعد الاجتماعي ليس سببا رئيسيا للصمت وزهد الناس في الاحتجاج. وذلك لأن الساحة السياسية لم تخلوا من ثورات شعبية تخللت التاريخ السوداني. وهي وجهة نظر قد تكون منطقية من جانب واحد؛ فكما أوضحنا من قبل في المقال السابق عند الحديث عن دور الطبقة الوسطى والذي أكدنا على محوريته في التغيير؛ فجدير بنا التنبيه أيضا أن الوعي السياسي لدى الطبقة الوسطى أعلى من غيره وبزيادة ذلك الوعي تخف حدة التقاطعات الاجتماعية مع المواقف السياسية.

   

لعل أبلغ مظاهر الحماس الديني عن أهل السودان هي حروب الثورة المهدية التي سطر فيها السودانيون ملاحم عسكرية عظيمة

وبما أن الحال الآن كما يعلم الجميع: سحق للطبقة الوسطى الواعية وجرفها نحو البحث عن لقمة العيش؛ وبالتالي ذبح الوعي على مسالخ الفقر؛ ذلك الفقر الذي يذل الرجال ويحنو رؤوسهم. فلا أظن أن النتيجة قد تكون مبشرة بأي حال من الأحوال. ويمكننا أن نربط بين البعدين: أثر الطبقة الوسطى والبعد الاجتماعي؛ ولا يمكن قراءة المشهد كاملا إلا بمحاولة فهم البعد الديني أيضا وأثره في تأخر الثورة. فالبعد الديني كعامل مؤثر في التغيير السياسي لا يمكن لأحد أي كان أن يغفل الدور المحوري له في كل المجتمعات؛ والمسلمين كفئة دينية تمتاز بارتباطها بالشعائر الدينية أكثر من غيرها وقد يرجع ذلك لطبيعة الدين الإسلامي نفسه الذي يلامس بتشريعاته ومقاصده كل مناحي الحياة.
 

والسودانيون كشعب ظاهرة فريدة في هذا الشأن، ويمكن مراجعة ذلك عند الرجوع لتاريخ تكون الشعوب السودانية؛ فأغلب الممالك التي نشأت بعد مملكة كوش كانت ممالك ذات طابع ديني مسيحي؛ وتوالت بعدها الممالك الدينية حتى دولة علوة أخر الممالك الدينية المسيحية في الأراضي التي تعرف اليوم بالسودان. وبعد دخول الإسلام تحول أهل السودان إلى الدين الجديد بنفس الطبائع القديمة وبنفس الحماس الديني؛ ولا أدل على ذلك من ملامح حضارة دول سنار ودارفور والمسبعات وغيرها من الممالك والدول التي نشأت على خلفية دينية بل وكانت راعية للمظاهر الدينية مثل رواق السنارية الأزهري والكسوة الدارفورية للكعبة.

  
ولعل أبلغ مظاهر الحماس الديني عن أهل السودان هي حروب الثورة المهدية التي سطر فيها السودانيون ملاحم عسكرية عظيمة، وللغرابة فقد كانت تلك الحروب المقدسة- حسب تقدير الوعي الجمعي آنذاك- ضد دولة الخلافة العثمانية التي يعتبرها المسلمون في أنحاء العالم ذلك الوقت رمزا دينيا. ومنذ الاستقلال لم تجرؤ كل الأحزاب السياسية -عدا الحزب الشيوعي- على معاداة الحس الديني؛ وكل محاولات التحرش بالقيم الدينية لدى السودانيين قوبلت برفض جمعي متطرف وأحيانا متوحش؛ كما حدث للحزب الشيوعي عند تسببت ندوة صغيرة في طرده من البرلمان في عز الديمقراطية الثانية.

   

 
وحتى محاولات الانقلاب العسكري في مايو ١٩٦٩م لتغير التوجه العام للشعب بما يخالف الثقافة الإسلامية لم تلق رواجا وقوبلت تلك المحاولات برفض شعبي كبير تطور إلى حركة عسكرية اجتمعت فيها كل الأحزاب بمختلف توجهاتها ضد النظام آنذاك حتى اضطر جعفر نميري- قائد الانقلاب ذلك الوقت- للتراجع والتصالح مع القيم العامة للمجتمع وفي آخر أيامه ارتدى رداء التدين. ومع مجيء انقلاب ١٩٨٩م كان الشعار الذي جاء به يرتدي عباءة دينية، فلم يقابل -بضم الياء- بمعارضة حادة ولم ينتفض الناس ضده بعنف كما فعلوا مع انقلاب ١٩٦٩م؛ وزاد من ذلك تحويل الحرب الأهلية في الجنوب – والتي كان أساسها مطالبة بالحكم الفيدرالي نسبة للاختلاف الكبير بين الجنوب وبقية أرجاء البلاد- إلى حرب دينية مقدسة أهدرت فيها دماء خيرة الشباب وموارد البلاد والوقت الذي لن يعود.

    
كل ذلك جعل حراك التغيير بطيئا للغاية؛ وكل المطالبات بالإصلاح كانت توسم بالخيانة الدينية والنفاق وغيرها من التهم التي يسهل إطلاقها ويصعب إثباتها. ليس العامل الديني لوحده هو السبب الأساسي لتأخر الإصلاح، فكما أوضحنا أعلاه تتضافر عدة عوامل واستغلال الدين كان أحدها ولم يكن أهمها. ومالم تظهر في الساحة دعوات إصلاح تفصل بين المقدس وبين الادعاء الذي يؤدي لاستغلاله لأهداف سياسية، فلا أظن أن التغيير سيكون قريبا.
   

في الحلقة القادمة سنكتب إن مد الله في الآجآل عن البعد العرقي كوسيلة لحماية الاستبداد.