شعار قسم مدونات

الداخل الفلسطيني وكتابٌ لم يُنشر بعد

مدونات - كتاب

ينقُصُنا في الداخلِ الفلسطينيّ كِتاب!
يُلَخّصُ التناقضات في قالبٍ مِنْ وَرَق، يَستعرضُ الأزمات على هيئةِ عِملاقٍ تنغرِسُ رجلاهُ في الأرضِ وقامتهِ تُعاركُ السَماء – فلا يدري .. هَلْ النجاةُ في الجذور أم الخلاصُ هُناكَ حيث النجوم؟

 
ينقصنا كِتاب.. بالحبرِ الملّون!

أحمرٌ كعُمقِ المعاناة، رماديٌّ كحجمِ التخبّط، أخضرٌ كَطولِ الأمل.. وأصفرٌ كشكْلِ النفاق. وفي كل مزيجٍ مِنها حُقبةٌ من الزمن.. ما بيْنَ مفاحم جدّي وبيّارات البُرتقال، وما بين خيانةٍ قديمة وصحْوة جديدة، وما بيْنَ لُغةٍ أصيلة وعِبرِيّةٍ مفطومةٍ فينا منذ الصِغَر.

   

ويكونُ إهداءُ الكِتابِ إلى عُمومُ العالَمِ العربيّ.. علّهُ يخرج من أرحامهم مَنْ يُحررنا من هذا السجن، وتكونُ مقدّمتهِ في وصفِ السجّان المتخفّي بآلاف الأقنعة، وتكونُ فصوله كلها في صراع الثوابتِ.. في العلومِ والفلسفةِ واللغات والعلاقات والثروات، وتكونُ خاتمتهُ عن حلم النصرِ بعد خمسين عامٍ من الآن.

  
الداخل الفلسطيني باتَ أقربُ من أي وقتٍ مضى إلى حوّامةِ الغرق! فهذا التخبط المستفحل في تحديد الهوية التقدمية.. ما بينَ الارتقاء والتمدن من جهة، وبينَ النزعة الوطنية-الدينية من جهةٍ اخرى – ما هُوَ إلاّ عوْمٌ دائري نحو الهاوية! إذ لا زلنا نستصعب الاختيار مثلاً.. ما بين العيش في مجتمع مدنيّ يملك مقومات الامان كالشرطة والحراسة ومراكز الامن المؤسساتية، وبينَ عدم الاعتراف بهذه المعايير المنبثقةِ مِنْ جهاتٍ تُنافي المنهج الديني والوطني المحافظ في ظل دولة الاحتلال. تماماً مثلما على صعيد مماثل.. هناك عدم اعترافنا بالقيادات الفاعلة في الوقت الذي نعوّلُ عليها في نداء النجدة الأول.

  

لا تزالُ الأحزاب القوميّة محصورةً في النضالِ السياسيّ الملتهِب، تقتصِرُ في تأثيرها على الهبّاتِ الآنيّة دون الانغماس في القضايا المجتمعيّة

هذا الصراعُ ليس وليد اللحظة، ولكنه أخذ مؤخراً منحىً مختلفاً تبرُز فيه قلة حيلتنا وفقرنا أمام تحديات خطيرة.. كتفشّي القتل والسرقة وفوضى السِلاح وعصابات الأسواق السوداء، ناهيكَ عن القضايا القومية المتأججة كهدم البيوت ومسائل التمييز العنصري واختناق الوسط العربي وتقييد حرياته.
 

واستنتاجاً مما سبق، فإننا أمام حقبة من الزمن مصيرية تعاني من سرطان الاستقطاب! والأسوأ من هذا أننا لسنا مستعدين.. لا قيادةً ولا شعباً، ولا إعلاماً ولا إدارةً.. لمواجهة هذا التنافر الحاد، فإما صنفٌ يرتادُ المساجد في عتمة الليل خائفاً، وإما آخرٌ يقاومُ في وضوح النهارِ سكراناً مترنّحاً. ولذلك صرنا كالثيران الملونة تقتل بعضها.. والأسد جالسٌ يرتقب جيفتها الميتة !
ويطفو على السطحِ السؤال الحقيقيّ الأهم: لماذا -وعلى ضوء المتغيراتِ الأخيرة في هيكلة الداخل الفلسطيني على كُلّ محاوِرِه- صِرنا نشهد اختفاءً ملحوظاً لطبقة الأكاديميين والمثقفين من الإسلاميين المُعتدلين من الساحة النضالية؟ بل صار شبه معدوم وجودُ طبقةٍ مُحتلنةٍ وَلاّدةٍ كهذه؟
 

فبينما شهدت الجامعات في العشرية السابقة وحتى قبل أعوامٍ قليلة.. نشوء طبقة قوية من الإسلاميين الشباب الفاعلين، وإذْ اكتظت ساحات العمل الميداني في المدارس والمؤسسات والمراكز الجماهيرية بالإسلاميين والدعاةِ الجُدُدِ ممّن يحملون العلم والدين معاً.. فإنّنا اليومَ أمام شبه انقراض ملموس لهذه الطبقة، بل وإنْ وُجِدَتْ.. فإنّها تفتقرُ إلى البوصلة والتوجيه ذي المنهجية الصحيحة !.وقد يُجيبُ أحدهم مُستدركاً بسببيْنِ ظاهريْن – أوّلها حظر الحركة الإسلامية بجميع مركباتها، وثانيها .. الصراع الملتهب مُؤخرّاً بين المؤسسة الإسرائيلية وأطياف الداخل الفلسطيني.. والذي ازدادَ ترهيباً ووحشيةً وقمعاً وهذا مما لا شك فيه.

  undefined

 

ولكنّ الأمر يبدو أسوأ من ذلك. فحتّى عندَ بدايات حظْرِ الحركةِ.. لم تنجحْ النُخبةُ في تقديرِ حجْم الحدَث، إذْ أُغلِقَتْ المؤسسات الخيرية ودور الايتام وجمعيات الإغاثة ومؤسساتُ الأقصى والصحافة والتعليم العالي، وسُجِنَ ظُلماً الشيخ رائد صلاح رئيس الحركة الإسلاميّة.. القيادي الوحيد مِنْ بين القلائلِ الذي كانَ يغنينا عن أزمةِ القيادات كلها.. ولم تتمعّر الوجوه بما يليقُ بكل ذلك، ثم كيفَ لنا أنْ نتفاجأ بصفعاتِ واقعنا الجديد؟

  
أمّا على الصعيدِ المُقابلِ، فلا تزالُ الأحزاب القوميّة محصورةً في النضالِ السياسيّ الملتهِب، تقتصِرُ في تأثيرها على الهبّاتِ الآنيّة دون الانغماس في القضايا المجتمعيّة وبعيداً عن التدخل في بناء دويْلةٍ عصاميةٍ للداخل الفلسطيني في قلب دولةِ إسرائيل. ولمّا كان كل ذلك، استقوت المؤسسة الإسرائيلية -ووراءها شعبها المُنحاز تطرّفاً أقصى اليمين- حتّى فيما يتجاوز السلطةِ القضائية لِسنِّ قوانين خبيثة فاشيّة جعلت من إشكاليّة مشاركة العرب في الكنيست الإسرائيلي أمراً لا طائلَ منه.

  
وبين أولئك وهؤلاء، فليس على الناظرِ في الوقتِ الراهنِ إلاّ أن يخشى منْ تسارُع السقوطِ لهذا المجتمعِ اليتيمِ نحوَ الهاوية، إذ قد يُصبحُ بعد سنين قليلة عقيماً عاقراً لا يقدِرُ على إنجابِ جيلٍ جديد من حَمَلةِ التغيير في الإسلام السياسي والعمل الميداني في آنٍ واحد! وإنّ ذلك لَهُوَ مِن أخطَر التنبؤات. ومهما تشكلّت التحديّات، فلن يتحقّقَ التغيير المنشود حتّى يتقدّمُ المثقفّون وينتقلون مِنْ صفحاتِ التنظيرِ إلى أرضيّة العملِ والتحريك! فالسكّرُ المُتكَوّمُ في أسفلِ كأسِ الشاي لن يفيد! ومهما تغيّرت ألوانُ الماءِ فيهِ من نباتاتٍ وأعشاب.. فإنّ المذاقَ لا تتحكم بهِ إلا ملعقة للتدوير. ولذلك.. صدَقَ مالكُ بن نبي إذ قال يوماً بضع كلمات: "إذا تحرّكَ الناسُ.. تحرّكَ التاريخ!"، فكيفَ إذا كانوا أناساً مِن أكنافِ بيتِ المقدسِ.. المالكين الوحيدين لورقة الطابو على هذه الأرض المقدّسة.