شعار قسم مدونات

أمةُ خُصّت بليلة القدر.. ذات مكانة وقدر

مدونات - صلاة مسجد
الأمة التي نزلت فيها سورة القدر لا شك أنها أمة ذات قدر،

الأمة التي خصت بليلة خير من ألف شهر، اسمها ليلة القدر، لا شك أنها أمة ذات قدر،
الأمة التي أنزل الله كتابها في ليلة القدر هي بلا أدنى شك أمة ذات قدر، "إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ".

  

أمة ليلة القدر

 الليلة التي تقدر فيها الأرزاق والآجال والتدابير الإلهية. تكتب الملائكة فيها الأقدار، فقد قال الله سبحانه وتعالى: "فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ" الدخان. ليلة القدر ذات منزلة وقيمة وقدر عند الله عز وجل، فقد نزل القرآن الكريم فيها. ليلة القدر التي تنزل فيها الرحمة والبركة والمغفرة على عباد الله المؤمنين، فتغرس فيهم قيم الرحمة والعفو والإحسان والتجاوز والتسامح والتغافر، فيزداد بإحيائهم لها قدرهم، ويرتفع شأنهم، ويزداد وقارهم ومهابتهم. ليلة القدر التي هي ذات شرف وقدر،

 

أمة سورة القدر

"إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ (2) لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (3) تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ (4) سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ (5)"

يقول الفيلسوف الفرنسي "جوزيف آرنست رنان": هناك كتاب واحد تؤنسني قراءته دائما، وهو كتاب المسلمين القرآن، فكلما أحسست بالإجهاد، وأردت أن تنفتح لي أبواب المعاني والكمالات

سورة يتلوها عباد الله حتى يرث الله الأرض ومن عليها، سورة يتلونها في خلواتهم وصلواتهم وتجمعاتهم وبيوتهم ومساجدهم ومدارسهم وجامعاتهم، حتى تبقى قلوبهم تهفو لليلة القدر، متشوقة لإحيائها، وعيونهم إليها راحلة شوقاً ومحبة، فتلهج ألسنتهم: اللهم بلغنا رمضان،  أمة القرآن الذي أنزل في ليلة القدر، القرآن الذي صنع لهذه الأمة قدرها، فكانت خير أمة أخرجت للناس، أنار ظلمتها، وبدد ظلامها، وحارب جهلها وجهالاتها، ورفع شأنها، وأعز جانبها، وبوأها في العالمين مكاناً ومكانة، القرآن الكريم الذي يعلو من تمسك به ولا يعلى عليه، وينتصر من اتخذه هادياً ولا ينتصر عليه، إنه حبل الله الذي يعصم من تمسك به، وظل الله الذي يحفظ من استظل به.

 
القرآن الذي جعل من أمة الأصنام والأوثان، أمة التوحيد والإيمان، وإخلاص العبادة لله الواحد القهار، القرآن الذي جعل من أمة الظلم والقهر والعنصرية والطبقية، أمة العدل والمساواة والإحسان والخيرية، القرآن الذي غير للأمة وظيفتها، حين أخرجها من بطن الصحراء الضيق، إلى فضاءات الكون الواسعة، فإذا بأمة رعاية الإبل والغنم، تشق طريقها في رحاب هداية الناس جماعات وأمماً.

  
القرآن الذي غير مكانها، ونقلها ليضعها على قمم الإنسانية بكل معانيها السامية، ودلالاتها الشريفة، حيث غدا الإنسان يجد فيها وعندها إنسانيته التي كانت مهدورة، ويشعر بكيانه ووجوده وكرامته، فيحترم ويقدر ويجل ويعطى كامل حقوقه، بعيداً كل البعد عن شكله ولون بشرته، وجنسه ومعتقده، فاختلطت مجالسهم بالأبيض والأسود، والشريف والوضيع، والغني والفقير، والعربي والأعجمي، كل على حد سواء، وعلى قدم المساواة، كأسنان المشط، القرآن الذي جعل القيادة والسيادة في هذه الأمة تكليفاً ثقيلاً، وأمانة عظيمة، وخدمة وتواضعاً، بعد أن كانت تشريفاً مغروراً، ومكانة يتعالى فيها أصحابها على الناس، فليس غريباً أن تكون ليلة نزول هذا القرآن العظيم هي (ليلة القدر)، فالكتاب الذي غير قدر الأمة، وصنعها من جديد، وغير أمرها، وبدل وظيفتها، وصاغ حاضرها، وبنى مستقبلها، كتاب القدر المحتوم، والمجد المقدور،  فليس غريباً أن يحتفى بليلة شهدت نزول كتاب القدر على أمة القدر، كل هذا الاحتفاء، سورة باسمها، وقرآن يتلى بذكرها، وفضل على سائر الليالي والشهور، خير من ألف شهر.

   undefined

 

القرآن، يا سادة، الذي أدرك أعداء هذه الأمة وخصومها مكانته وأهميته وعظمته، حتى قالوا فيه الكثير، فهذا المؤرخ الإيطالي برنس جيواني بوركيز يقول: لقد ابتعدت السعادة والسيادة عن المسلمين بسبب تهاونهم في اتباع القرآن، والعمل بقوانينه وأحكامه، وذلك بعدما كانت حياتهم موسومة بالعزة والفخر والعظمة، وقد استغل الأعداء هذا الأمر فشنوا الهجوم عليهم، نعم إن هذا الظلام الذي يخيم على حياة المسلمين إنما من عدم مراعاتهم لقوانين "القرآن الكريم" لا لنقص فيه، أو في الإسلام عموماً، فالحق أنه لا يمكن أخذ أي نقص على الدين الإسلامي الطاهر".

  
وهذا جوزيف آرنست رنان، الفيلسوف الفرنسي المعروف يقول: تضم مكتبتي آلاف الكتب السياسية والاجتماعية والأدبية وغيرها والتي لم أقرأها أكثر من مرة واحدة، وما أكثر الكتب التي للزينة فقط، ولكن هناك كتاب واحد تؤنسني قراءته دائما، وهو كتاب المسلمين القرآن، فكلما أحسست بالإجهاد، وأردت أن تنفتح لي أبواب المعاني والكمالات، طالعت القرآن حيث أنني لا أحس بالتعب أو الملل بمطالعته بكثرة، لو أراد احد أن يعتقد بكتاب نزل من السماء فإن ذلك الكتاب هو القرآن لا غير، إذ أن الكتب الأخرى ليست لها خصائص القرآن.

   
فهل تحدث فينا ليلة القدر فرقاً، وتجدد فينا ذكر من أحيا مواتنا، ورفع قدرنا، وزكى نفوسنا، ووضعنا في قمة الإنسانية، وفي صدارة الخيرية، فنجدد مع كتاب الله العهد والوعد، فليس الشأن أن تظفر بليلة القدر وأنت عن القرآن في غفلة سلوكية وروحية وجسدية.. ليكن لك وأنت تحث الخطى نحو ليلة القدر لتظفر بنورها وبركاتها ومغفرتها ورحمتها، ورد لا تغفل عنه أبداً من كتاب ليلة القدر، الذي شرفت به ليله القدر، ولولاه ما سميت بليلة القدر.

 
وختاماً، وهذا يقيننا وإيماننا، أمة خصت بليلة القدر، أمة ذات مكانة وقدر، ستسترد مكانتها وقدرها ذات حين إن فقدته في لحظة غفلة، وإنها مع القدر الرفيع لعلى ميعاد لن تخلفه.