شعار قسم مدونات

أردوغان وحرب الكبار في الساحة التركية

blogs اردوغان

في ليلة ليلاء من مساء 15 يوليو/تموز 2016، خرج حفنة من اللصوص تدفعهم شهوة السلطة وعسكرة المجتمع على ظهور دباباتهم إلى مؤسسات البلاد الديموقراطية، وهيئة الإذاعة والتلفزيون؛ لقرصنتها ومن خلفهم كيانات داخلية وإقليمية ودولية تنتظر هذه اللحظة الفارقة في تاريخ المشرق الإسلامي على أحر من الجمر. لم تعرف عيوننا يومها طريقاً للنوم، وطار النعاس من أجفاننا الذابلة الشاحبة، شعرنا بصاعقة ترتطم بالأرض، وأفواه الشامتين الحمقى مفتوحة على أشرعتها لتلتقط قطع الحلوى المقدمة إليهم بأغلفة من الحنظل، ومشهد أيديهم وهي تصفق دون انتظام من سكرة الموقف، همسوا، ثم جهروا، ثم أمعنوا في الجهر: "ذهب أردوغان إلى حيث ذهب صديقه مرسي".

تحلقنا يومها حول قناة الجزيرة وهواتفنا الذكية، وتغريدات "محمد زاهد غول وإسماعيل ياشا" وغيرهم من المفكرين الأتراك؛ لمتابعة هذا الزلزال الذي بدأت ارتداداته تطوف أرجاء العالم، فنحن لم نستفق بعد من صدمة الانقلاب العسكري في مصر، وإسقاط تجربة الحرية والعدالة بالدبابات، وارتكاب الفظائع بحق المعتصمين، وإلغاء العمل بالدستور، وإعلان الأحكام العرفية. نحن لم نستفق من قبضة حكم عسكري بوليصي جاء لإحكام الحصار على غزة، وملاحقة مقاومتها، ووضع بعض الحركات الإسلامية على قوائم الإرهاب من خلال اختلاق الوقائع المزعومة والأحداث المكذوبة.

وفجأة على تطبيق "الفيس تايم"، يخرج أرطغرل برسالة صوتية يطلب شعبه بالخروج في وجه الانقلاب، والدفاع عن قيم الديموقراطية، والتصدي لعصابات الكيان الموازي التي يتزعمها "فتح الله غولن" المقيم في الولايات المتحدة، ووعد الأمة بالنصر وسحق الحشاشين خلال ساعات.

لبت الأمة التركية العاشقة للحرية والكرامة صيحات المساجد وأجراس الكنائس، وخرج الشعب بشبابه وشبانه وشيبه يحمل كل منهم ما استطاع؛ ليدافع عن كرامة بلاده. خرجوا إلى الساحات والميادين وأزقة الشوارع ليبيتوا ليلتهم تحت الدبابات وفوقها، خرجوا مصطفين في طوابير نحو الشهادة، ورصاص الغدر يلوذ بهم من كل جانب. وما هي إلا دقائق تقترب من أذان الفجر بقليل حتى أعلن الرئيس أردوغان والحكومة التركية فشل الانقلاب، واعتقال اللصوص الحشاشين، وعودة البلاد إلى الحياة الدستورية. سجدنا لله شكرا في يومٍ رد الله الذين أفسدوا بغيظهم لم ينالوا خيرا وشفى قلوب قوم مؤمنين.

بفشل الانقلاب الخامس في تاريخ الدولة التركية التي تجرعت مرارات الحكم العسكري، كنت على قناعة أن هذا الانقلاب الفاشل لن يكون الأخير في سجل الانقلابات التركية

وفور فشل الانقلاب، وجهت الحكومة التركية أصابع الاتهام إلى الكيان الموازي الذي يتزعمه "عبد الله غولن"، وشرعت في عملية تطهير لمؤسسات الدولة هي الأوسع من نوعها منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم، ونبشت مقبرة لدفن قتلى الانقلابيين أسمتها: "مقبرة الخونة، وقامت بإعادة هيكلة مؤسسة الجيش التي كانت مرتعاً خصباً لعناصر الكيان الموازي، وأعلنت حالة الطوارئ في البلاد، وطالبت الشعب بالبقاء في الشارع لحراسة الشرعية والديموقراطية.

أما على المستوى الخارجي فقد وجهت الحكومة التركية اتهامات مباشرة للإدارة الأمريكية، وبعض الدول الأوروبية بضلوعها في مؤامرة محاولة الانقلاب على الشرعية، وطالت الاتهامات أيضا بعض الدول العربية والخليجية بتمويل الكيان الموازي والدفع ببعض المأجورين لحبك المؤامرات وتسهيل تدفق الأموال للعناصر المشاركة في الانقلاب.

وبفشل الانقلاب الخامس في تاريخ الدولة التركية التي تجرعت مرارات الحكم العسكري، كنت على قناعة أن هذا الانقلاب الفاشل لن يكون الأخير في سجل الانقلابات التركية في ظل مؤامرات خبيثة تحاك لإسقاط حكومة العدالة والتنمية، وضرب النهضة السياسية والاقتصادية والحضارية التي طالت جميع مفاصل البلاد، ووضعت تركيا في تنافس استراتيجي مباشر مع الحكومات الغربية. لقد أيقن الغرب أن الانقلابات العسكرية ليس بمقدورها الصمود في الوقت الراهن وإسقاط أردوغان من عرينه، لذا لجأت إلى أسلوب الانقلابات الناعمة، واحداث هزات اقتصادية أملاً في تأليب الرأي العام عليه وانفضاض الجماهير من حوله.

وما أن طالب زعيم حزب الحركة القومية "دولت بهشتلي" حليف حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة في تركيا حتى تلقفها رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان، معلنا موافقته على تبكير موعد الانتخابات إلى الرابع والعشرين من حزيران من العام الجاري عكس المتوقع، مفاجئاً جميع الأطراف الداخلية والخارجية التي تُعد العُدة لإسقاطه في الانتخابات المزمع إجراؤها في شتاء 2019 وفق الدستور التركي.

يأتي هذا القرار المفاجئ من وجهة نظر "حزب العدالة والتنمية" لمواجهة بعض الأزمات الاقتصادية والانخفاض المتسارع في سعر صرف الليرة التركية مقابل الدولار الامريكي الناجم عن المضاربات التي تحركها مؤسسات مالية دولية لخفض قيمة الليرة إلى أدنى مستوى، ومنع هذه الأزمة المتفاقمة من أن تلقي بظلالها على نتائج الانتخابات، كذلك فقد أثر موقف أردوغان من الثورة السورية على علاقته بالكثير من الأنظمة العربية التي تجأر بتأييدها لنظام الأسد، وشعور هذه الأنظمة أن الثورة المضادة لم تكتمل أركانها بوجود أردوغان في سدة الحكم؛ لمواقفه المساندة لحركات الشعوب المطالبة بالحرية والكرامة.

 

وبالرغم من الإطار العلماني الذي يحكم تركيا بموجب الدستور، إلا أن الغرب يتوجس خيفة من حكومة العدالة والتنمية ذات الميول الإسلامية، ومحاولتها استدراج البلاد إلى الحظيرة الإسلامية من خلال سلسلة القوانين والتشريعات المتلاحقة التي تستهدف جميع مؤسسات الدولة. أما الكيان الصهيوني فما زالت علاقته بتركيا ينتابها الفتور الشديد، ولم تفلح جميع المحاولات لإعادة العلاقات الدبلوماسية والعسكرية إلي سابق عهدها قبيل حادثة أسطول الحرية وقتل عشرة من المتضامنين الأتراك. إن الغرب بدوله وحكوماته ينظر إلى تركيا اليوم بوصفها قوة إسلامية سنية ناهضة تشكل خطرا جسيما على مصالحه التوسعية في منطقة الشرق، وتزاحمه على البؤر الاستراتيجية ومناطق النفوذ، وتهدد أمن إسرائيل في المستقبل إلى جانب الخطر الإيراني. 

وما أن يبدأ استحقاق ديموقراطي حتى يطلق الغرب العنان لساسته وإعلامه للنيل من الرئيس أردوغان وشيطنة حزب العدالة والتنمية، وخلفه حفنة من المستعربين الذين يترقبون الفرص للتشهير بالرئيس التركي وفتح نيران بنادقهم على رأسه وقلبه النابض. فهذا وزير الخارجية الاماراتي يهاجم الحضارة العثمانية ويحاول تشويه تاريخها المجيد، وتلحق به صحيفة عكاظ السعودية التي بالغت في التطاول على شخص الرئيس واصفة إياه بالطربوش العثماني، ثم يأتي الاعلام المصري ليكمل الدور بأراجوزاته الذين ينعقون ليل نهار؛ لإذكاء النعرات العرقية والقومية والمذهبية.

 

لا ينبغي الإفراط في رفع سقف التكهنات بأن القوى الداخلية والإقليمية والدولية قد تلقت ضربة حاسمة بتقديم موعد الانتخابات، وتفويت الفرصة على الجميع في الداخل والخارج
لا ينبغي الإفراط في رفع سقف التكهنات بأن القوى الداخلية والإقليمية والدولية قد تلقت ضربة حاسمة بتقديم موعد الانتخابات، وتفويت الفرصة على الجميع في الداخل والخارج
 

 أما على صعيد الدول الغربية فقد اتهم "سباستيان كورتس" وزير الخارجية النمساوي الرئيس التركي بالتسلط وإقصاء المعارضين ومصادرة حقوق الأقليات، في حين كتبت "كريستيانا شولتسر" مقالا مهما في صحيفة "زود دويتشة تساتوونغ" الألمانية جاء فيه: "إن فكرة الاحتلال والتقسيم فكرة كامنة ما زالت تسكن عقول الأتراك وتمثل لهم صدمة كبيرة منذ سقوط الخلافة العثمانية قبل قرن من الزمان، خاصة أن عدو الماضي هو الغرب وهو الذي يواجه أردوغان اليوم".

 

أما فرنسا فقد نشرت صحيفة "لوبوان" على غلافها الخارجي صورة للرئيس أردوغان كُتب عليها بالبند العريض "الدكتاتور". ولم يغب الكيان الصهيوني عن المشهد، فقد هاجم رئيس وزراء الكيان "بنيامين نتنياهو" الرئيس أردوغان في تغريدة على تويتر متهماً أنقرة بالنفاق والكذب وقتل الأكراد على حدودها في معرض الملاسنة بين الرئيسين على خلفية ارتكاب العصابات الصهيونية جرائم إبادة بحق المتظاهرين السلميين على حدود غزة.

لا ينبغي الإفراط في رفع سقف التكهنات بأن القوى الداخلية والإقليمية والدولية قد تلقت ضربة حاسمة بتقديم موعد الانتخابات، وتفويت الفرصة على الجميع في الداخل والخارج. ولعل هذا ما يفسر دخول الاتحاد الأوروبي على خط الأزمة، والتدخل في الشؤون التركية بفجاجة، وانتقاده طريقة أردوغان في تقديم الانتخابات مدركاً أن أحزاب المعارضة لن يكون لديها متسعاً كافياً من الوقت للملمة شتاتها والتوحد لمواجهة حزب العدالة والتنمية.

 

ورغم أن الاتحاد الأوروبي يعلم تمام العلم أن أردوغان يأتي إلى الانتخابات منتشياً بنصر كبير، والتفاف شعبي أكبر بعد هزيمة حزب العمال الكردستاني السوري PKK، ودفع شبح الدولة الكردية عن حدوده من خلال إطلاقه عملية عسكرية واسعة في عمق الشمال السوري، ووصول الجيش التركي إلى عفرين إلا أننا نسمع كل يوم أصواتاً دولية تحاول التشويش على الحياة السياسية والاقتصادية والأمنية في تركيا، وخلق هزات داخلية لإغراق البلاد في بحر من الفوضى، واتهام الجيش التركي بارتكاب جرائم حرب في عملية غصن الزيتون. ويبقى التساؤل الملح: ماذا تحمل لنا الانتخابات التركية هذه المرة من تجليات؟ ماذا يملك أرطغرل من أوراق أخرى لصفع وجوه اللاعبين الكبار؟ والأهم من ذلك كله، ماذا يملك اللاعبون الكبار من خيوط لضرب أرطغرل في سباق اللحظات الأخيرة؟