من جزيرة العرب إلى ماليزيا (2).. في الطريق والأخلاق

في الطرق الطويلة الممتدة لعشرات الكيلومترات على النظام البريطاني -مقود أيمن ومسار أيسر- والتي تزدحم عند العطل إذا حان موعد عودة الماليزيين لقراهم وبيوتهم الأصلية في عمق الغابات وامتدادات الخضار المليء بالغموض والغَيبة عن عالم الصخب والمادة.. يتكرر المشهد ذاته.. عشرات السيارات الواقفة في طريقٍ لامنته تسير ببطء السير بالأقدام، خطوة بخطوة، أو خطوة بلا خطوة بعدها ولا نهاية.. زحام دونما أصواتٍ لأبواق السيارات، ولا اعتراضٍ على مضي الوقت، ولا تخطياتٍ لا منتهية للأدوار وانتقالات من مسارٍ لآخر بحجة " غباء اللي قدامي "، ولا هزٍّ جماعي للاقدام والأيدي في توتر عالٍ وحديث عن المواعيد والإلتزامات القادمة..

   
على المسارات الثلاث أو الأربعة الرئيسية تجد الزحام؛ وتجد الخط الجانبي الأيسر على حافة الطريق فارغا إلا من مرورات سريعة نصف عجلاتها على الطريق ونصفها على أطرافه الخارجية.. أغلب أصحابها من الصينيين أو العرب. المشهد غريبٌ كلما مر علي كأنما لا أفهمه.. يبدو هنا الرجل العربي بصورة قبيحة في ظاهر المشهد..
    

في طريق آخرَ فارغ وكثير الإلتواءات الصعبة والمرتفعات انزلقت سيارة أحد المغتربين الذين لا يشبهون في منظرهم الماليزيين وتعطلت على جانب الطريق.. صاحبها يجلس ساعات طويلة يشير للناس ويستنجدهم أن توقفوا وساعدوني دونما توقف ماليزي واحد! ليس هذا شانهم ولا النظام الذي اعتادوا السير عليه؛ عليك الاتصال بالدولة أو أمن الطرق.. ماذا لو كان جوال صديقنا معطلا؟ أو كان وجوده مخالفا مثلا أو كان لاجئا طارده القانون وإن كان عدل الله وفهم البشر السوي للحقوق معه؟ ليس هذا من شأن القوم في تلك اللحظة ولا ضمن مراجعات ضميرهم.. يبدو الماليزي هنا بصورة قبيحة في ظاهر المشهد..
   

النظام إذا طغى على الفردية قتل معنى الإنسان بعاطفته وشغفه ومبادرته وقوته وابداعه، وأن الفردية إذا طغت على النظام انتهت إلى فناء قوة المجتمع وقدرته على مراكمة الإنجاز وتحقيق العدالة

في تلك المشاهد كثيرة التكرار.. تتكرر معي أسئلتي: من أين يأتي برود القوم أمام التزاماتهم القادمة وهم على الطريق المزدحم الذي لا يتحرك؟ كيف لا يفكرون في الاعتراض والاحتجاج والثورة؟ كيف لا يفكرون أيضا بالمبادرة والتقصي عن السبب؟ أو استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في التنبيه للحالة؟ من أين يأتي برودهم كذلك تجاه إصابات الإنسان وحاجته واستنجاده وطلبه للغوث..؟ كيف لا يعنيهم انقلاب شاحنة إلا بقدر "الخلل" الذي يصيب نظام المرور..؟ بالمقابل من جهتنا.. من أين يأتي أبناء قومي بصلف المرور ضمن خطوط الطوارئ أو تخطي الطوابيرعلى المنعطفات في سلوك واضح الاستغلال لاحترام النظام عند المالاويين..؟ وكيف لا يحملون عبء الظهور بمظهر اللامحترم واللا مقدر للبلد ونظامها وحق غيرهم كذلك بالوصول المبكر لأهدافه؟ لماذا لا تغير البيئة الماليزية في هذا السلوك العربي المتعجل والطائش إلا قليلا؟ أين ا أكثر احتراما للوقت؟ وللحق الآخر؟ وللإنسان؟ وللنظام والمبادرة؟

  

عنوان التدوينة يوحي بما يُحبّ أصحاب التعميمات -على أطراف الرأي وحدود التعبير- سماعه واشباعه في انفعالهم الداخلي.. الناقمون على واقعهم يريدون ذماً لأخلاق العرب في القيادة واحترام الطريق والحق العام، وامتداحا متوقعا للشعوب الأخرى التي لا تشبهنا في سلوكات الطريق؛ أغلبهم من الذين لم يعيشوا في ماليزيا حسبما لاحظت.. الممجدون لعروبتهم وصفات شعبهم ونبلهم وحرارة ثورتهم للحق والمبادرة يريدون نقدا لـ "برودة" الدم الماليزي بالمقابل، وذما لقلة وعيهم بتفرد الحالات على الطريق واختلاف دوافعها.. أغلبهم من الذي عاشوا في البلد حسبما لاحظت.. ثم المحتوى قابل لإشباع كلا الطرفين بما يحتاجه لاثبات منظوره؛ كما واقع الحياة والأحداث التي يعيشها ذات الأشخاص غير أن اهتماماتهم وآرائهم الأولية تحدد تلقيهم لها على الشكل الذي يريدون وتفاعلهم معها انعكاسا لذلك التلقي. وهي عند المتجردين لا إلينا ولا إلى غيرنا.. ترى نواقصنا ونواقصهم ومزايانا ومزاياهم؛ وتشير لما نحتاجه عند الاحتكاك ببعضنا كوعي شامل عند الشعبين المتداخلين حضاريا والمنتناقضين في سلوكهم الفردي.
      
كان صاحب التدوينة وكثير من أصدقائه ممن تأذى من بعض السلوكيات الماليزية في القيادة؛ بدءا من حاجته للمساعدة دون تقديمٍ لها، لتعنصر ضباط الشرطة ضده لأنه "أجنبي في بلد الضابط" وهو لفظ كفيل عنده بقرار ترك البلد.. وكان كذلك من الذي تخطوا أكثر من مرة – في خضوعهم وضعفهم أمام دافع العجلة – ضمن مسارات الطوارئ على يسار الطريق الطويل المتوقف.. لا يغير هذا من ضرورة التوقف المتجرد للاستفادة أمام الطريق والأخلاق والقيادة في الجزيرة المالاوية الدائمة الغضب والدائمة الصمت..
    

 

ما يبدو احتراما ماليزيا للنظام والسلوك الجماعي -وهي ظاهرة حسنة-؛ يقابله ضعف عالٍ في المبادرة والمسؤوليات الشخصية. وما يبدو إهمالا عربيا للنظام والسلوك الجمعي -وهي ظاهرة قبيحة-؛ يقابله نُبلٌ وروح مبادرة وتحمل عالٍ للمسؤوليات في إطار الممكن. الماليزي في حالتنا يحترم الوقت؛ لكنه لا يحبه.. العربي يحب الوقت؛ لكنه لا يحترمه.. حب الوقت هو ما يدفع للمبادرة والتضحية بكثير من السلوكيات الاعتيادية لأجله؛ كالعاشق الذي كسر ضبط ذاته في ممارسات الغزل والملاطفة.. احترام الوقت معنى آخر أقرب للنظام والمَمكنة، أمام تطرفه تموت عاطفة الإنسان وحرارته؛ سلوكٌ قطيعي منظم.. الماليزي يحترم النظام، العربي يحترم المبادرة.. 

    

أخطر ما في تطرف الشعبين أن النظام إذا طغى على الفردية قتل معنى الإنسان بعاطفته وشغفه ومبادرته وقوته وابداعه، وأن الفردية إذا طغت على النظام انتهت إلى فناء قوة المجتمع وقدرته على مراكمة الإنجاز وتحقيق العدالة. كنتُ أجد في هذه المقارنات أن تقدير الإنسان للإنسان ناشئ عن تقديره لذاته أولا؛ النظام الذي يطغى على الفرد الماليزي وحقه واختياره يجعل منه جزءا ضمن آلة كبيرة بلا معنى ولا روح.. كذلك تنتهي فردية العرب في أوطانهم لتضحيات لا محسوبة ولا مستغلة ولا مخطط لها وانقسامات لا تنتهي.. يكثر عندنا الأموات بلا فائدة.. على الطريق هنا في قصتنا، وعلى طريق بناء الحضارات والأوطان..
    

ما الذي أريد قوله؟

عجلة العرب وتخطياتهم للنظام ليست شرا محضا، التزام الماليزيين الدقيق ليس خيرا محضا.. أريد أن تتوقف حالات المقارنة السطحية والمرتاحة من أي تفكير عميق. كفوا عن النظر القاصر.. في كلٍ خير.. وفي كل نقص.. وددتُ لو أن بني قومي جاهدوا فيهم تطرف الفردية ونزعات التسيب والانفعال، وأن إخواننا عززوا تفرد الإنسان وحبه وواجبه ضمن النظام الجماعي الصارم.
   
 في الطريق والتدوينات القادمة مزيد من الأسئلة.. وقليل من الإجابات..



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

تتحدث ألتاننتويا شارببو، إلى جانب المنغولية لغتها الأم، الروسية والصينية والإنجليزية وقليلا من الفرنسية، وقد اغتيلت بطريقة فظيعة بماليزيا عام 2006 لأنها كانت مطلعة على معلومات أكثر مما ينبغي.

أحيت دول عربية وإسلامية يوم القدس العالمي الذي يوافق اليوم؛ فشهد العراق واليمن ولبنان وإيران مسيرات كبرى، كما شهدت الهند وباكستان وماليزيا وتركيا مظاهرات للتأكيد على إسلامية القدس.

الأكثر قراءة