شكري.. الكاتب الذي فاته أن يكون ملاكا

"أخي صار ملاكًا. وأنا؟ سأكون شيطانًا، هذا لاريب فيه. الصغار إذا ماتوا يصيرون ملائكة والكبار شياطين، لقد فاتني أن أكون ملاكًا." بهذه الكلمات ختم محمد شكري الكاتب المغربي سيرته الذاتية الخبز الحافي، فتطفو للقارئ بعد إنهائها أسئلة تدور حول إن كانت القصة حقيقية؟ وهل من عانى هكذا قادر على أن يقاوم مرارة الحياة ويخرج لنا كتابا متماسكا عن حياته، ما أصعب أن تكتب عن حياتك بلا مبالة وبرود كأنها لا تخصك، الخبز الحافي نص مقدّس للمعاناة.

 

يجعل القارئ يقف احتراما لكل من يستطيع الكتابة عن ألامه، ومتسائلا بأي قوة أو ربما لا مبالة استطاع شكري مواجهة ماضيه وتوثيقه وبأي منطق ينتقده البعض ويقولون أن أدبه منحط؟، يقول ألبير كامو: "لا تحكم على اختياراتي، إذا لم تكن تعرف أسبابي، ولا تحكم على أسبابي، لأنك لم تعش حياتي."  تجربة طفولته ومراهقته التي سردها شكري في كتابه لم تكن تجربته وحده، إنها تجربة آلاف مراهقي وصبية ذاك الزمن. شكري لم يفعل شيئا، سوى أنه نقلها، عكس كثيرون إما ماتوا، أو محو تلك التفاصيل والذكريات. محوها… لأنها كانت مؤلمة.

تُلامس السير الذاتية القارئ لصدقها، والخبز الحافي من أصدق وأجرأ ما نُشر.. وبالرغم من تناولها للكثير من المواقف الجنسية إلا أنها كانت مواقف حقيقية دون أقنعة بَصمت حياة محمد شكري فكيف اشتكى البعض من ذكرها ومنعوا كتابه من البيع؟  أم أنهم اعتادوا الفرح والسعادة حاصرين الأدب والكتابة في خانة الجمال ومدح الحياة فصدمتهم قساوة كتابات شكري وواقعيتها البعيدة عن الماكياج والتملق لدرجة منع تداولها فشكري كما قال بنفسه أنه عاش متشردا يأكل القمامة وهم ينتظرون منه أن يكتب عن الفراشات والورود! هل كان يريد هؤلاء من كاتب يروي سيرته الذاتية أن يكتبها بطريقة ألطف وأجمل؟ ألم يكن محمد شكري غريقا فلما خوفه من البلل إذن؟

من خلال قراءة الخبز الحافي يظهر أن محمد شكري يكتب ليتخلص من أثامه وذكرياته، كالمحتضر الذي يعترف بكل أسراره لأبناءه وهو على فراش الموت

محمد شكري لم يتعلم الكتابة الى أن تجاوز سن العشرين  ومثلما كان الفقر سببا لمعاناة  شكري وعائلته والطبقة الاجتماعية التي كان ينتمي لها، كان أيضًا الدافع الذي يجعله يتعلم القراءة والكتابة وهو في سن العشرين! فهو لم يكن يحلم أن يصبح كاتبا. كان حلم الكتابة أبعد عن خياله، بل حتى أنه ما كان راغبا في التعلم. ما استفزه لأن يذهب للمدرسة، هو رؤية طفل يحمل محفظة رثة ويلتقط ورقة من الأرض، ويتهجى ما كتب عليها. كان منظر تهجيه للورقة مستفز كما قال شكري، ويضيف: "لهذا تابعته بعيني. ونهضت وتبعته دون أن يشعر، كان يمشي ويقرأ على رفاقه، سمعت كلمتين: الخيار والطريق. لحظتها قلت، علي أن أختار طريقي" .

يوُصف محمد شكري بأنه كاتب العالم السفلي، عالم الهوامش والاحياء الفقيرة، العالم المسكوت عنه، كتاباته كلها تدور حول الهوامش والفقر وصراعه مع أبيه وحبه  الشديد لأمه التي ماتت وتركته وحيدا، القارئ لشكري يلامس في جل كتاباته تعلقه بأمه  أو "يما" بالأمازيغية كما يحلو له ذكرها وهاته الكلمات التي كتبها عنها تصف مقدار حبه وتعلقه بها " كان حلمي، أن أمحو عذاب أمي. إنها تعبت لأجلنا كثيرا، فما بكيت يوم ماتت، كان الحزن أكبر من تصريفه عبر دموع. كنت حزينا لأنها غادرت دون أن تنعم بيومين راحة. أتذكر أني زرتها ليلة دفنها في بيتها الجديد، ركعت على القبر وبكيت كثيرا. دار بيني وبينها كلام كثير، وغفوت. وحين نهضت في الصباح، وجدت نفسي نائما بالمقبرة. لم تكن تلك أول مرة أنام وسط الميتين. الفرق أن أمي كانت أيضا من الميتين".

رواية الخبز الحافي للكاتب محمد شكري (مواقع التواصل)

من خلال قراءة الخبز الحافي يظهر أن محمد شكري يكتب ليتخلص من أثامه وذكرياته، كالمحتضر الذي يعترف بكل أسراره لأبناءه وهو على فراش الموت، الفرق هنا أن شكري لم يمت بعد نشر كتابه و واجه انتقادات الناس وقمعهم ومنعهم له، الخبز الحافي من الكتب القليلة في العالم التي ترجمت قبل ان تُنشر بلغتها الأصلية، فبول بولز  الكاتب الامريكي كان قد ترجمها مباشرة من عند محمد شكري ونشرها بالإنجليزية تحت عنوان من أجل الخبز وحده سنة 1972، وجاء الطاهر بنجلون بعد ذلك بعشر سنوات ليترجمها للفرنسية ويغير عنوانها للخبز الحافي فلاقت شهرة كبيرة في أوروبا كل ذلك وهي لم تنشر بعد بلغتها الأصلية إلى أن نشرها محمد شكري على نفقته الخاصة سنة 1982 بالعربية فقتلته أدبيا كما وربطت اسمه بها أكثر من أي كتاب أخر له.

دائما كان يسعى إلى قتل الشهرة التي منحته إياها رواية الخبز الحافي، فكتب زمن الأخطاء لكنها لم تمت، ثم كتب وجوه والخبز الخافي ترفض أن تموت، شكري رحل في 2003، لكن الخبز الحافي لم تمت وظلت بيننا تذكرنا أن شكري عصامي تمرد على قوانين الأدب وخطّ لنفسه مسارا للنجاح من وسط المعاناة، وتذكرنا أن العائد من الرماد يكون اكثر اشتعالا، وأنه بعد موته قد صار ملاكا، ملاك للفقراء ورسولا للمهمشين.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

الأكثر قراءة