بين دور المسنين ودور الأيتام.. صور مختلفة للعقوق!

لم تكُن تحملني قدماي إلى هذه الأماكن من قبل لا أعلم لماذا.. ولكنْ ربما لانشغال الوقت بالدراسة أو لربما أيضاً احساس داخلي كان يمنعُني من أزورها لأنها أماكن قد اجتمعت فيها كل القلوب البائسة التي ذاقت ألم الفراق القاسي لا شفقة فيه ولا رحمة أو حنان الفراق الذي لم يكن فيه وداع بقلوب مُتلهفة للقيا عمَّا قريب بل كان وداعٌ بين قلوب قاسية وجاحدة وقلوب قد آلمتها الحسرة والحزن الشديد. أماكن تجد جدرانها حزينة على حال ساكنيها كل نفسٍ بداخلها تحمل من الهموم الكثير ولا تجد مَنْ يُربِت على أكتافهم بصدق وحنان وود الأخوة الصادقة والأهل.
 

دور المسنين

تدخله تجد فيها وجوهاً ضاحكة مشتاقة ومتلهفة للقاء ابن أو ابنة أو حفيد أو حفيدة بالرغم من قلوبهم المنكسرة كل غرفة تدخلها ستجد مَنْ يستقبلك وعلى وجهه كَمْ من الترحيب وفي داخله أمنية بأن تكون حاملاً مِمَنْ هجروهم وتركوهم في ذلك المكان البائس ولو كلمة سلام واحدة ثم يجلسون معك ويتحدثون عن أشياء كثيرة وعندما يأتي الكلام عن الأبناء والأقارب والأهل تشعر مع كل كلمة يحدثونك بها تنهيدة وآهات وحسرة داخلية تعصف بقلبك وتأخذك معها إلى أماكن مظلمة مخيفة تُخيفك من هذه الدنيا وما فيها.

 

وهناك منهم مَنْ يمتنع عن لقاء أي إنسان امتناعاً تاماً تطرق الباب عليهم أكثر من مرة ولا تسمع سوى صوت بكاء أم أو حسرة أب لم يرحمهم أو يعتنِ بهم أحد عند الكبر حرموا من أشياء كثيرة وسببها هو قسوة قلوب مَنْ دفعوا معظم حياتهم وضحوا بها في سبيل أول مَنْ تخلَ عنهم وجعلهم في وحدة تفتك بحياتهم سريعاً بلا رحمة.

 

ذات يومٍ قالت لي أم مسنة هناك بأن زميلة لها في الدار لا تستطيع أن تنام ليلها منتظرة تليفوناً من أبنائها أو أحد من ذويها أو يطرق عليها الباب ويأخذها وينتشلها من هذا المكان الذي لا تشعر فيه سوى بالوحدة تشتاق إلى أن تموت وتعيش أيامها الأخيرة في بيتها فهي تخاف أن تموت وحيدة كزميلة لها قد ماتت منذ شهر ولم يأتِ أحدٌ من ذويها ليحضر مراسم الدفن وعندما لا يأتي أحد تظل بقية الليل باكية شاردة حتى أنها أصبحت تعتزل الناس نهائياً إما أن تبكي أو تتحدث إلى نفسها متذكرة أيامها الماضية.

 
 

  
دور الأيتام
هي وحدة من نوع آخر وحدة أصعب بكثير ففقدان الأم أو الأب أو كليهما فهو فقدان الأمان والحنان وكل شيء في الوجود هو أصعب مكان ممكن أن تراه عيون بريئة وعقول يتحكَّم فيها أناس غريبة اللَّه هو وحده مَنْ يعلم كيف يتحكَّمون فيها قلوب تائهة أطفال ساخطة على كل شيء غاضبة من كل زائر أطفال لم يشعرون سوى بالظلم عندما تتحدث معهم ستشعر كم الألم الخارج مع كل كلمة ويتغلبون على كل ذلك بإظهار قوة زائفة لأنه مكان يؤمن إيمان تام بأن البقاء للأقوى بينهم ليس بينهم رقيب واع يستشعر بداخله بأن هؤلاء حقاً كأبنائهم بكل معنى الكلمة أطفال لا يعلمون سوى أنهم بلا هويَّه الضعيف فيهم يتألم كثيراً.
 

كلاهما صور مختلفة للعقوق: عقوق الأبناء كما يظهر في دور المسنين وعقوق الآباء للأبناء كما في دور الأيتام.

 

اطرقوا أنتم أبوابهم واجعلوهم يشعرون بالأمان ولا يشعرون بالوحدة فلن تتخيلوا كم السعادة التي ستدخلوها إلى قلوبهم واجعلوا زيارتهم عادة. عن سهل بن سعد رضى الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما رواه البخاري. قال سبحانه "وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا" الإسراء 23-25.



المزيد من المدونات

حول هذه القصة

مع تزايد نسبة المسنين بكثير من البلدان وما يفرضه ذلك من تحديات جديدة، تبحث الدول عن أنجع السبل للتعامل مع هذه الظاهرة بما في ذلك إعادتهم إلى مقاعد الدراسة.

مدينة مغربية اشتهرت بمناجم الفحم الحجري، يبلغ عدد سكانها نحو 43 ألفا، وعند إيقاف العمل بالمناجم انهار اقتصادها، فحاولت الحكومة إيجاد بدائل، لكن السكان أكدوا استمرار الأزمة فخرجوا يحتجون.

تقدر منظمات وجمعيات خيرية وإنسانية عدد الأيتام بريف حمص الشمالي المحاصر بنحو 5500 طفل، نصفهم تماما توقفت كفالاتهم، وسط مخاوف من توقف الكفالات بشكل كامل، مما سيضاعف معاناة مئات الأسر.

الأكثر قراءة