لماذا لم تنته النكبة؟

blogs غزة

ها نحن نتخبط "بحيطان" العام الـ70 للنكبة، تلك المأساة التي يثابر صناعها على ملاحقة، طرد، وقتل الفلسطينيين في فلسطين والعالم. صناع مهرة، جعلوا من النكبة القديمة، نكبات كثيرة مستحدثة، فالصانعون المتمثلون بآلة الحرب الإسرائيلية اليوم، أبوا ان يتركوا للشعب الفلسطيني نفسا يلتقطه، بل زادوا من تشعبهم فالآلة أصبحت آلات عدة، في ظل سيسات التطبيع الكثيرة التي تنتهجها "إسرائيل"، حتى تمكنت من فتح علاقات اقتصادية وسياسية في المنطقة العربية، تلك المنطقة نفسها التي امتعضت واعترضت وجمعت الجيوش قبل 70 عاما حين قررت بريطانيا الانسحاب من فلسطين وتسليمها للعصابات اليهودية المنبثقة عن الحركة الصهيونية المؤسسة منذ العام 1800 تمهيدا لقيام دولة "إسرائيل" على أراضي فلسطين.
   
تمكنت ما تسمى بالمؤسسة الصهيونية من جمع تراكمات السنوات الماضية فيما يصب بمصلحتها، وكانت خطوتها الأولى أن جعلت في الداخل الفلسطيني حليفا لها، حتى ضاقت الساحة الفلسطينية بالتصريحات والمواقف السياسية التي أحبط بعضها الكثير من عزيمة ذلك الشعب الذي لم يكل أو يمل من الدفاع عن أرضه. عن التصريحات الأخيرة للرئيس الفلسطيني محمود عباس أتحدث، تلك التصريحات التي جاءت مخيبة لآمال المؤيدين قبل المعارضين، ففي الوقت الذي يقدم فيه قطاع غزة أسبوعيا إن لم يكن يوما، شهداء وجرحى ضمن فعاليات مسيرة العودة، يخرج ابو مازن إلى منبر المجلس الوطني، الذي يفترض انه جامع للكل الفلسطيني، ليتغنى بالسلام، ويطالب باستكمال المسير بتلك المفاوضات العقيمة، يعتذر لكلمات قالها عن الهولوكوست المزعوم، وينسى أن يعتذر لدموع أم استشهد ابنها عند سياج الحرمان من الحرية.

 

يمكننا الآن القول أن الفلسطينيون هم الحامي الوحيد لأرض فلسطين، للقدس، للأقصى، لكنيسة القيامة، لكل مقدسات أديان العالم، التي تنتهك قداستها "إسرائيل" يوميا

أيدي المنظومة الصهيونية لم تتوقف عند حدود البلاد، وذهبت لما هو أوسع من ذلك، فالزيارات الإسرائيلية المكثفة للاستحواذ على التضامن العالمي، نجحت في جذب العديد من الدول، وتغيير مواقف دول أخرى منها الهند التي أصبحت اليوم حليفا استراتيجيا ومصدرا اساسيا لواردات "إسرائيل" العسكرية بعد أن كانت منقطعة كليا في فترة حكم "نهرو وأنديرا غاندي".
 
أما عن المنطقة العربية التي باتت تعتبر "إسرائيل" أحد أهم الحلفاء، وبعد عشرات السنوات من القطيعة والخلاف في العلن فقط، قلبت الطاولة وظهر ما كان يدار في الخفاء تحتها، وتجلت واضحة كل تلك اللقاءات التي كانت تحدث بين الوفود "الإسرائيلية" ودول لخليج العربي، تلك الدول التي عصفت باليمن لحمايته من الحوثيين، وحاصرت قطر بزعم دعمها ما يسمى "الإرهاب الفلسطيني"، باتت تشرك العدو الإسرائيلي بفعالياتها الرياضية والاقتصادية، وذهبت لأبعد من ذلك في العلاقات فشاركت بمراثون رياضي تنظمه حكومة الاحتلال الإسرائيلي في القدس المحتلة، وسمحت بالرحلات الجوية الواصلة لمطار تل أبيب، واعتبرت "إسرائيل" شريكا مهما لحفظ السلام في المنطقة، ويصل التطبيع ذروته في تصريحات لمسؤولين إسرائيليين قبل فترة ليست بالبعيدة يؤكدون فيها لوكالة "فرانس برس" زيارة ولي العهد السعودي محمد بن سلمان لتل أبيب، بعد تاريخ طويل من قنوات الاتصال والعلاقات السرية في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصادية.
   
بعد هذا الاستعراض السريع والموجز، لطبيعة العلاقات بين دول المنطقة وإسرائيل من جهة ونجاحها في إعادة توجيه سياسات بعض الدول لتصب في مصلحتها في الجهة المقابلة، يمكننا الآن الإجابة عن " لماذا لم تنتهي النكبة؟". فقد تحالف العرب والغرب، باعوا فلسطين في الماضي، وعد بلفور اليهود قبل 100 عام بأجزاء واسعة من أرض فلسطين، واليوم الدول العربية تعد "إسرائيل" بأن لا يكون للفلسطيني أي شبر من فلسطين، يتفق قادة العالم لصالح تلك الغدة السرطانية التي تشعبت في الشرق الأوسط وتمددت، تمكنت وسيطرت على ملوكه وقادته، حتى بايعوها، وباعوها كل ما يملكون وما لا يملكون دون مقابل.
   
يمكننا الآن القول أن الفلسطينيون هم الحامي الوحيد لأرض فلسطين، للقدس، للأقصى، لكنيسة القيامة، لكل مقدسات أديان العالم، التي تنتهك قداستها "إسرائيل" يوميا، لا يردعها، إلا حجر فلسطيني، وصدر عار، لم يعد له بندقية وطن تحميه، ولا سلاح شقيق عربي يسانده، ما عاد له سوى الأرض وحجارة الأرض.