تبدلت أحلامنا وانحصرت..

في الماضي وكأنه قد مر عليه عشرات السنين -بالرغم أننا ما زلنا شباب- كانت أحلامنا وأهدفنا التي نريد تحقيقها كبيرة وكبيرة جدًا.. كانت تلك الأحلام مصاحبتا لنا حتى كادت أن تكون هوسًا يرافقنا كلما قررنا التفكير في المستقبل، كانت كالعصفور الحر الذي قرر الاصطياد فذهب ساعيًا دون توقف ليبحث عن هدفه فيصيده، وكانت كالزهرات البريئة تملأ الدنيا جمالا وبهاء، فكان قرارنا أن نحافظ على ذلك الجمال لنعيش به المستقبل الذي كنا نحلم به ونتفاءل فيه الكثير من الخير..

 

في الطفولة كنا نحلم وكنا نتعلم من أهالينا ومدرسينا -التربويين الحقيقيين- كيف نحلم، وكيف نسعى لتحقيق أحلامنا من خلال الجد والاجتهاد والمثابرة في الدراسة والتحصيل العلمي، وكانت المدارس والمراكز الصيفية والمعاهد هي اللبنات الأولى في صقل مواهبنا وصناعة شخصياتنا -برغم بساطتها وشحة إمكانياتها في دولنا الفقيرة- إلا أنها كانت أساس رئيسي في التأسيس لمستقبل ما بعد المدرسة..

 

كبرنا وكبرت هُمومنا وأهدافنا، ومعنا مرت السنوات سريعا دون أن نشعر بها وبسرعة مرورها، إلا أنها مرت ولم يعد بوسعنا الرجوع أو التحكم بعجلة الزمن للعودة إلى الماضي؛ فكان لِزاماً علينا أن نسير مع الواقع وأن نجاري الأحداث والمتغيرات من حولنا سواء قبلنا بها أو لم نقبل..

 

ما هو سقف أحلام أطفالنا بعد أن انتُهكت طفولة الكثير منهم وهم يرون كل ما حولهم يُثَبِّط الكبير قبل الصغير؟ وما هو الفرق بين أحلامنا وأحلام من يعيشون حياة طبيعية يسودها السلام والأمان..؟

وصلنا إلى مفترق طريق (قرب الانتهاء من مرحلة الثانوية) وما قبل دخول الجامعة في تلك الفترة بداء الربيع العربي وبدأت أحلامنا تكبر أكثر فأكثر في التغيير والتطوير للأفضل؛ فخرج الكثير منا إلى الساحات والميادين أملين بغد مشرق، وطامحين بمستقبل واعد لطالما حلم الكثير منا في الوصول إليه.. في تلك المرحلة الحساسة من تاريخ دولنا التي مرت عليها رياح "الربيع العربي" الساخنة.. عاش الكثير من الشباب مرحلة عصيبة فقتل من قتل، وسجن من سجن، وانقسم الشباب: فمنهم من يأس واستسلم للمؤامرات التي تعرضت لها تلك الثورات ونتائجها، ومنهم الكثير ما زال متمسكاً ببصيص أمل عله يكون مصباح النجاة في المستقبل المجهول، ومنهم من لا زالوا حتى اللحظة في كفاح ونضال دفاعاً عن أحلامهم التي قرروا أن لا يتخلوا عنها بسهولة، وأن لا يستسلموا لقاتلي الأحلام ومدري الأوطان..

 

وبين هذا وذلك وصلنا إلى مرحلة خطيرة لم نكن نتوقع أبدا أن نصل إليها، ولكن شأت الأقدار وحكمت علينا الظروف أن نصل إليها ألا وهي أن نفكر في استعادة دولنا بشكلها القديم -أي ما قبل الربيع العربي- بعد أن عصفت ببلداننا وأحلامنا رياح الحرب والدمار، وساد التفكك والانقسام واقع حالنا اليوم، وأصبح الملايين من أبناء أوطاننا بين مشردين ولاجئين وفاقدين للأمل أيضًا، وكأن الأحلام تخبرت في وسط بحور الدماء التي تسفك، وغبار المنازل التي تهدم..

 

وصل الحال بالكثير إلى التفكير بهذا الشكل بعد أن رأى الدول الهشة أصلا تسقط سُقوطًا مدوياً دون توقف، وبعد أن سادة الفوضى والحروب، وعمت المليشيات في كل الأرجاء حتى أنهكت هياكل دولنا الضعيفة في كل المجالات، فكان انحصار أحلام الكثير منا في التفكير بالعودة إلى زمن ما قبل الأزمات التي لحقت بنا؛ لأننا بحاجة إلى استعادة شكل هش للدولة صالح للبناء عليه مستقبلاً.. مرتبطين بأمآل أن يكون الجميع قد تعلم الكثير بعد أن تنتهي هذه الحروب المدمرة (التي لا مفر من انتهائها؛ لأنه لا وجود لحرب استمرت طوال التاريخ)..

 

فيا ترى ما هو مستقبل أحلامنا بعد انتهاء الحروب؟ وما هي طبيعة أحلام أطفالنا الذين تواجدوا في زمن يغلب عليه الظلام الدامس، والمستقبل المجهول.. وما هو سقف أحلامهم بعد أن انتُهكت طفولة الكثير منهم وهم يرون كل ما حولهم يُثَبِّط الكبير قبل الصغير؟ وما هو الفرق بين أحلامنا وأحلام من يعيشون حياة طبيعية يسودها السلام والأمان..؟

 

ولكن ومع كل الواقع الكئيب الذي نعيشه، والمخاوف والأسئلة الدائمة التي تسيطر على تفكيرنا في كثير من الأوقات لابد لنا أن نتفاءل ونقول كما قال أحد الشعراء:

ســمــاءٌ ولــيـــلٌ ويــومٌ جــديـــد
ونـومٌ يــُـجـافي عــيــوني شَـريد

سأنحـتُ في الـصــخـرِ طـولَ اللـيالي
إلـــى أن أحـقــقَ حـُـلـُمـِـي الـبـعـيــد



حول هذه القصة

أكد الرئيس الفلسطيني محمود عباس رفض التفريط بالقدس عاصمة لفلسطين والتنازل عن قضية اللاجئين واستمرار الاستيطان بالضفة الغربية. جاء ذلك في كلمته أمام المجلس الوطني الذي انطلقت أعماله أمس.

1/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة