السودان.. الوطن الذي يوشك أن ينهار

blogs الفقر في السودان

محاولة البحث عن حل دون تحليل للوضع القائم حرث بلا فائدة، والآجابات الواضحة والسهلة دوما تكون خاطئة، قد لا نحتاج لكثير تخصص لمعرفة أن هناك مشكلة فالأرقام الحقيقية للاقتصاد وجيوب الناس الخاوية هي التي تحدد تحسن وصف الاستقرار أكثر من أي شيء أخر. إن دولة فقدت ثلث أرضها وتسعين بالمائة من موارد دخلها حري بمن يملكون زمام الأمر فيها أن يعوا ما حدث ويبحثوا عن حل لا أن يزيدوا من بنود الصرف.

لست هنا في محاولة لجلب أراء الخبراء في الشأن الاقتصادي؛ فهم لم يبخلوا بذلك وصفحات الجرائد مليئة بكتاباتهم الفنية وحلولهم المقترحة وجيوب المواطنين التي تفرغ كل يوم لأكبر دليل على ما يحدث. الكتابة عن المشكلة نفسها استفرغت أهدافها فالكل يعلم والكل يعي وصفوف الوقود والصرافات الألية لا تحتاج لبيان؛ والحلول معلومة ومكتوبة والخبراء لم يمنعهم إنكار الدولة لهم من بذل النصح. السؤال هنا.. لماذا يصمت الناس.. هل عاد هناك ما يخشى عليه.. حتى الموالون للنظام.. أليس فيهم رجل رشيد.. فإن صح أن هناك صراعا بالأعلى فحتما لن يتضرر منه إلا عامة الناس… فهم الشريحة الغالبة التي يمسها كل شيء.. طعامها، ملبسها، علاجها، فلماذا يصمتون..؟ سأحاول منذ اليوم الإجابة عن هذا السؤال.

لماذا يصمت الناس وكيف لهم أن يحدثوا أثرا يمنع الانهيار ويوقف تدحرج كرة الثلج؟ وسأستفرغ الوسع لمعرفة الإجابة والتنقيب عن الحل.. فنحن الشباب – إن صح أني منهم- المعنيون بالبحث عن حل وعن إجابة لوطن يوشك أن ينهار.. الوطن الذي يوشك أن ينهار. البحث عن أسباب لا يمكن تقييده في اتجاه واحد، فالسودان بلد معقد التركيب حديث التكوين ضعيف الترابط بين وسطه وأطرافه، به من الاختلافات أكثر من المتشابهات قليل الاستقرار منذ أول لم لشمله في عهد محمد علي باشا وحتى اللحظة. ما فعلناه أعلاه هو الوصف المختصر ولكن ليس كل الحقيقة. فلصمت الناس أسباب لا يمكن تجاهلها؛ فالأحوال التي أخرجت الناس من صمتهما سابقا لأبواب القصر الجمهوري في ثورتي (١٩٦٩م و١٩٨٥م) كانت لا تساوي شيئا لما يحدث اليوم.

هاجر الكثيرون خوفا من الفقر- وحق لهم أن يخافوا- وكل محاولات القفز من ضيق الظالم ومحاولة مواجهته قوبلت بوحشية شديدة وللأسف تحت تعليل ومباركة من بعض النخب الأخرى

ولعلي أحاول أن أسرد بعض الأسباب التي أظن أن لها باع فيما يحدث الآن وهي: فأولا: تدهور الطبقة الوسطى وشبه اختفائها من الساحة: فالطبقة الوسطى كانت دوما هي الراعية لمستقبل أي جيل؛ فالفقراء يعملون بجد كي يخرجوا هم أو على الأقل يخرجوا أولادهم من حالة العوز التي تجعلك تفكر طول اليوم فيما تأكل خوفا من الجوع إلى رحاب الطبقة الوسطى التي ينشط فيها العقل وتحدث فيها الكفاية. مثل الفقراء والمحتاجين لا يصنعون التغيير؛ فيوم واحد من الاعتصام يعني لهم الكثير والكثير.

ولكنهم يظلون في حالة ركود صامت وغضب مكتوم حتى يلوح أحد من الطبقة الوسطى ويحدثهم بأن هناك شيء أفضل لو سلكوا الطريق معه وعندها فقط سيضحون بأكثر من ذلك اليوم الواحد وقد يضحون بحياتهم نفسها، فقط يحتاجون للأمل والبديل. ولن يتوفر ذلك البديل في ظني إلا من قلب الطبقة الوسطى، فلماذا لم يظهر ذلك البديل حتى اليوم؟

الأزمة هي أن هذه الطبقة طوال ٣٠ عاما مستمرة في التآكل وسياسة التمكين التي انتهجها انقلاب ١٩٨٩م والتي امتدت من داخل مؤسسات الدولة إلى قلب القطاع الخاص؛ فعلت فعلها في المجتمع وقد كان ذلك الفعل ذو آثار مأساوية. فأغلبية النخب التي يفترض فيها أن تكون في طليعة الطبقة الوسطى ابتداءا ومن ثم في مقدمة صفوف التغيير قد تأثرت بالحرب الضروس من قبل الدولة؛ فمعاشها تأثر ولقمة العيش التي كانت ثابتا في حقها أمست حوجة حقيقية.

وهاجر الكثيرون خوفا من الفقر- وحق لهم أن يخافوا- وكل محاولات القفز من ضيق الظالم ومحاولة مواجهته قوبلت بوحشية شديدة وللأسف تحت تعليل ومباركة من بعض النخب الأخرى والتي جاء الدور عليها لاحقا. كل ذلك جعل الشارع بلا قيادة ولا هدف ولا رؤية للمستقبل. وصار الخلاص الفردي مطلبا؛ وطلب السلامة هدفا فالجوع كافر والفقر مذلة ومد اليد الحوجة قاهرة للرجال. وثانيا: البعد الاجتماعي في المسألة.