إلى مَلِكةِ الأرض المنسية!

blogs الأخت

ما أصعبَ الحياة! كثيرة هي العلاقات التي يعيشها الإنسان وتربطه بغيره من البشر، فهذا والدٌ يضحي ويكدُّ لأجله وهذه والدةٌ تقتطع جزءًا من نفسها كل يومٍ كي يرتاح ويهنأ، وذاك رفيقٌ وقت الشدة يعين ويُسعد، وتلك زوجة تبذل جهدها حبًا فيه ودعمًا له، وهؤلاء أبناءٌ وغيرهم أصحاب وأقارب، وما بين هذا وذاك وتلك وهذه غفل الإنسان عن معنى آخر، فيه من الحب ما يفوق السماء سعةً، ومن الإخلاص ما إن فُرش لغطى الأرض يابسةً وماءً -إنّه المعنى الثابت في حياة يتغير فيها المعنى كل ساعة- معنى التضحية دون مقابل، والبذل بغير منفعة، معنى الأخوة بين الأخ وأخته، هذا الرابط العجيب الذي يجمع جسدان في روحٍ واحدة.

ما نزل معنى في نفسي حتى تتبعته في كُتب الأدب العربي قراءة وبحثًا، غير أن هذا المعنى ما وجدته إلا قليل الذكر بعيد الإنصاف، لم تستقبله الأنفس ما يفيه قدره، فتعطلت الأقلامُ عن وصفه، وتوقفت القلوب عن معايشته، فبات ذكره في العربية شاحبٌ لا يتبينه حق البيان إلا من نزل لأجله درب الواقع، وعاش بسن قلمه ما يستوفيه صورة حقيقية يمكن أن تلبس الكلمات ملبسًا حسنًا ليتجلى فيها آية حسنة، ونورًا وضاءً، ومن بين الذين جاء ذكرهم الخنساء التي عاشت هذا المعنى لأخيها صقر حق العيش فكان شعورها الزرع الذي جاءت الكلمات مطرًا ترويه ليخضر ويثمر فيخلد أبدًا ويتذوقه الناس شعرًا ما دامت الحياة، بيد أن هذه الحالة لم تستنفد المعنى بداخلي وصفًا، فمازال عندي ما لا يقدر على ري ظمأه إلا القلم كتابة وتعبيرا.

الأخت أمٌ ثانية تحمل أخيها في فؤادها أبد العمر -ليس فقط تسعة أشهر- فهي قلبٌ حنون، وكلمٌ عطُوف، وملاذٌ آمن، ومسمعٌ قريب، وحنان قلبها أشبه بمعطفٍ جلدي في ليلٍ من الشتاء القارص، يجلب الدفء، ويُشعِر بالراحة، وكلامها عذبٌ رقيق، يُصوَّب تجاه الألم فيطيبه علاجًا، ويلامس جرح النفس فيبدله جمالًا، وهي ملاذٌ ثابت، عماده السكينة والطمأنينة، ومسمعٌ رحب واسع، لا يكل من الشكوى، ولا تجهده الحياة في خلق الحلول وتمهيد الطرق، وطرق الباب.

أتذكر أيام طفولتنا في المنزل، عراكنا المستمر أحيانًا، صوتنا العالٍ، خصامنا الذي لا يستمر أكثر من خمس دقائق، قطنا الجميل ريتش الذي كثيرًا ما اهتممنا به ورعيناه

الأخت هِبة من الله تهدي الحب سعادة، وتطوع الإخلاص مُآزرةً، وتبث السرور دعاءً، الأخت معنى واسع ما تكاتبه القلم إلا في زيادة، وما حاولت النفس الإلمام به إلا في نقص وإبهام؛ إذ هي علاقة شاء الله لها الوجود، لتربط نفسًا بأخرى بعيدًا عن الود المتكلف، والصلة المشروطة بالمنفعة والرغبات.

الطفولة مهدُ الإنسان في الحياة، هي البراءة البيضاء، والابتسامة الدائمة، واللعب الممتع، فترة يعيش فيها الأخ وأخته أسعد الأيام وقتًا وأكثرها حبًا؛ حيث الذكريات الخالدة، والأحداث التي لا تغادر الذاكرة، صورةٌ تجمعنا في السادسة من العمر، متشابهان جدًا كأننا روحٌ سكنت جسدين، أتذكر ذهابنا إلى المدرسة معًا، أنا مسرورٌ الآن لأني تذكرت كيف كانت تخاف عليّ أختي، كيف كانت تدافع عني أمام الأطفال الآخرين، وتأثرني على نفسها وتعطيني طعامها عندما أجوع وقد أكلت طعامي سابقًا.

 

أتذكر أيام طفولتنا في المنزل، عراكنا المستمر أحيانًا، صوتنا العالٍ، خصامنا الذي لا يستمر أكثر من خمس دقائق، قطنا الجميل ريتش الذي كثيرًا ما اهتممنا به ورعيناه، قطتنا التالية التي أعددنا لها احتفالًا بمناسبة قدوم مولدها الجديد، فيلم الحفيد ومشاهدتنا له في المساء أو وقت الظهيرة، وتقليدنا للأطفال فيه ببراعة، ذهابنا إلى الكُتّاب معًا، أتذكر عندما كبرت وصرت في الصف الخامس وبدأت أصحح لأختي أخطائها اللغوية، أتذكر نطقها لكلمة أرسطو بشكل غريب وضحكاتنا المستمرة عندما صححتها لها، هذه الأوقات الجميلة التي تحتفر ذاكرة كل منّا، كلنا عشنا هذه الطفولة مع أخوتنا الفتيات، ولا ينكر جمال هذه الأيام إلا من غفل قلبه عن مواطن الجمال.

كبرنا ودخلنا بأنفسنا بيت الشباب، وغدت أيام الطفولة ذكريات مطوية، وأختي -مالكة روحي وساكنة فؤادي- لازالت تقدم تضحياتها، وتزيد من عطفها، وتجعل حنانها أكثر رقة وجمالًا، بيد أن هذه المعانٍ باتت تتجسد في صورة أكثر قربًا من عمرنا، فأصبحت أنا أكثر خوفًا عليها، وبشكل فطري غدوت ملاذها الآمن والمسمع الأقرب، والقلب الأكثر حنانًا، ومصدر الكلم العطوف، ورغم ذلك -وعلى عكس ما يدور ويتصور الناس- فإن الاخ دائمًا في حاجة إلى عطف أخته وحنانها، وحبها له، إن الذين لم تهبهم الحياة أخوات فتيات، بعيدون شيئًا عن فهم الأنثى، فاقدو معنى لا تنقله الكلمات؛ إذ الأخت توسطٌ بين الأم والزوجة، وهو توسط إلهي فريد، يضع الإنسان في المنتصف ويزيده فهمًا ومعرفة.

إن غيرة الأخ على الأخت أمر فطري، وهو صميم في بناء الرجل، ورغم أن هذه الغيرة ربما تؤول أحيانًا إلى غير وفاقٍ بينهما إلا إن لها معنى جميل يثير في نفس الأخت حب أخيها وخوفه عليها، هل جربت هذا الشعور الذي يثيرك حتي يدفعك لهدم الأرض وما عليها عندما جاء آخر غريب يخطب أختك ويطلبها للزواج؟ هل شعرت بالضيق من هذا الموقف العسير الذي يضعك موضع غيرة الأطفال وتعلقهم بأخوتهم؟ أهذه هي سنة الله في عبيده!

 

إلى كل أخت لم تفِها الكلمات حقها، ولم تتكاتبها الأقلام مكانة عظيمة، فظنت أنها منسية في الأرض، أنتِ نهرٌ وعليه القلم جارٍ كتابة ووصفًا وتعبيراإلى كل أخت لم تفِها الكلمات حقها، ولم تتكاتبها الأقلام مكانة عظيمة، فظنت أنها منسية في الأرض، أنتِ نهرٌ وعليه القلم جارٍ كتابة ووصفًا وتعبيرا
 

إنها حقًا لأمر جلل، يعتصر النفس ويضنيها شوقًا، إن غيرة الأخت كذلك أمرٌ فطري على أخيها، وكثيرًا ما كانت الأخت حارس أخيها في المناسبات التي تجمعهم بفتيات أخريات؛ إذ تلمذ هذه، وتمتعض في وجه تلك، وتُنفره من أخرى، وتمقت جميع الفتيات؛ لا لشيء إلا لأن حبها لأخيها يجعلها تغار ممن ستفوز به وتنال حبه غيرها، تركيبة عجيبة في هذه المسألة وضعها الله في النفوس البشرية، عجيبٌ حقًا تدبر ما نحن فيه والأعجب أن نبحث له عن تفسيرٍ وحكمة.

وإني لأعجب أشد العجب ممن ينفقون أموالهم ويتفنون السبل والبدائل كي يسعدوا فتيات أخريات لا صلة بينهم أو بالأحرى يدعون صلة واهمة باسم الصداقة والدراسة وأشياء من هذا القبيل، ومع أخواتهم هم جامدون كالأصنام، لا يعرفون عن الذوق أو الواجب شيئًا، حسبهم يهرولون خلف أي أنثى أخرى طلبًا لنظرة إعجاب، أو كلمة متمايلة تزيد من تدفق هرمون التستوستيرون بداخله.

 

إن للأخت على الأخ حقًا كبيرًا، حقًا في رفقة مستمرة، ينظران بها إلى الحياة معًا، حقًا في وقت دائم، ودعمًا مستمرًا، وسندًا قويًا، وبابًا مفتوحًا في كل وقت تضيق عليها الحياة، فيا أيها الشاب ألم يحن الوقت كي تكف عن كوميداك الثقيلة مع الفتيات الأخريات، وتنظر إلى أختك وترعاها حق رعاية؟ ألم تمل هذا الفصام الذي تعيش فيه؟ في النهاية أنت سيد قرارك إما أن تختار بيدك ما تريد أو أن تتأخر فتفرض عليك الحياة خيارها.

إلى كل أخت لم تفِها الكلمات حقها، ولم تتكاتبها الأقلام مكانة عظيمة، فظنت أنها منسية في الأرض، أنتِ نهرٌ وعليه القلم جارٍ كتابة ووصفًا وتعبيرا، لكنه من فرط سرعة المعاني المصاحبة له لم تستطع الأقلام مواكبته، أنتِ نورُ أخيكِ، وملاذه الآمن ومسمعه القريب، فكوني له كذلك دائمًا واعلمي أنّه سيكون كذلك وأكثر. إلى ملكة الأرض المنسية، وعاشقة اللون الأصفر، رفيقة العمر وصديقة الطفولة، وملازمة شبابي، زهرة الفريسيا أختي مالكة نفسي وساكنة فؤادي أهدي هذه التدونية وإلى كل الفتيات اللاتي يصنعن لأخوتهم الرجال جميلًا.