أن تتكيف مع الأوجاع!

مدونات - رجل حزين

يتحتم علينا أحيانا أن نرى الأوجاع والآلام والا نغض الطرف عنها، بل لا بد من التعامل معها وكأنها شيئاً لا يكمن الاستغناء عنه .ماذا لو أخبرك أحدهم أنّ بك داء لا يمكن الشفاء منه إلا بطريقة احترافية، وهى التكيف بمعنى أن تقبل المرض الذي أصابك كأنه أمر واقعي، لا غرابة فيما أكتبه، فهناك الملايين على مستوى العالم يعانون أمراضاً وآلاما،ً ولا يوجد علاجا حتى الآن لهم وهم متكيفين مع حالتهم المرضية.
 
حتى الآن ربما لا أجد أنا شخصًيا أي غرابة فيما أكتبه، لكن الأمر الذي يجعلني ضعيفا أو أبكي دموعا حارة، ماذا سيكون موقفك وأنت ترى عزيزا عليك أمك، أبيك، أحد إخوانك، أو صديقا عشتم معنا فترة الطفولة والصبا، تراه أمامك يلتوي من شدة الأوجاع تراه يصرخ، يبكي، يهذي، وأنت متسمر أمامه كنخلة متجذرة في الأرض، أنت موقن أنه لا يوجد علاجا لذلك ربما يكون سؤالي فلسفيا لا يستطيع أي شخص أن يعطي إجابة مقنعة غير كثير من كلام الصبر والمواساة، وهذا هو المنطق في هذه الحالات، لكن نحن كيف سنكون أمام أنفسنا، بالتأكيد سنخوض صراعاً نفسياً وجسدياً مؤلماً، لأن هذا هو العجز في أبشع صوره، وبالتأكيد لعل أغلبنا قد مر بتلك التجربة.

 

ﺃﻣّﻲ أنا الآن أرى سعادتي أن أبقى قريباً من أنفاسكِ، أتأملُ قسماتُ وجهكِ ممسكناً يديكِ لا أريدُ غيرَ ذلكَ فما قيمة كل الأشياء الجميلة إن حرمتُ من تقبيل يديكِ وأن تُسمعيني رضاكِ عني

قبل أسابيع قليلة فقدت لؤلؤة الفؤاد وبحر المحيط، فقدت شيء لا يعوض إنها أمي وفي غمضة عينن وجدتها أمامِي مسجّاة، لا نفس، ولا روح، لكن الجسد شاخصا أمامي. كم كنت أشعرُ بالذنبِ وأنا أرَى الأوجاع والآلام تجتاح هذا الجسد وهذه الروح، وأنا لا أملكُ لها علاجاً بل لأنه لا يوجدُ علاجٍ لها، حينها ارغمت أن أقفَ أمام وجهةَ ﺃﻣّﻲ وأنظرُ إليها وهي تُخرِجُ الآهاتِ والدموع، أشعُر أنَّي أرتكبتُ جريمةٍ نفسيةٍ حِيالَ ضعْفي وقلة حِيلتي.

 

إنّ الحياةَ في جوهرها صراعٌ مع كل شيء، مع نجاحك وفشلك، مع صحتك وسقمك، مع كل ما تراه يقف في وجه سعادتنا وهنائنا في الحياة، ولكن أشد تلك المعارك ضراوة، هي التي نخوضها من أجل إسعاد الآخرين. ما زلتُ يا ﺃﻣّﻲ، أحنو إلى نظرةً من عينيكِ ولمسةً من يديكِ وقبلة على وجهي، كم تمنيتُ يا أمي ألا أكبر أن أبقى طفلاً صغيراً، حتى إذا ما شعرتُ بالخوف التجأتُ أليكِ وضمتني بين ذراعيكِ وأختّي تُهدهِديِنيِ وتَضُمينيِ إلى صدركِ المُثقلُ بالحنينِ والحب . ما زلتُ يا ﺃﻣّﻲ، أحنو إلى مذاقِ قهوتكِ ورائحةُ طعامكِ وعجينُ يديك،ِ كم كنتُ أشعرُ بالسعادة والمتعة وأنا التهم كل شيء من تَحتَ يديكِ.

 

ورحم الله شاعرنا محمود درويش صاحب قصيدة "إلى أمي"

أحنّ إلى خبز أمي
و قهوة أمي
و لمسة أمي
و تكبر في الطفولة
يوما على صدر يوم
و أعشق عمري لأني
إذا متّ،
أخجل من دمع أمي!

  

أمي أنا اليوم لا أجدُ شيء يُفرِحُ قلبي، لم أعُدْ أشعرُ بمتعة الأشياءِ من حولي، كلَ شيء خفتَ بريقَة، وذهَب رونقة، وأفل سطوعه. أمي أخبرونا ونحن صغار أنَّ الأطباء هم ملائكة الرحمة، ولكنِ أجدُ عكسَ ذلك ألم يُخبرنا الطبيب أنَّ ثمة آلاَلاَم لا علاج لها إلا أن يتكيفَ المريضُ مع ألمه وأن تُعطَى لهُ بعضُ المسكنات الوقتية، أو ما علم ذلك الطبيب أنه بذلك لا يعذبُ المريض فحسب بل يعذب أرواحنا نحن، يريد منا أن نكونَ شهودٍ على جريمةٍ ترتكب.

 

أمي ما قيمة الكلمات أمام الأوجاع، وما قيمة البوح أمام دمعة يخرجها الوجعُ من جسدك. ﺃﻣّﻲ أخبرونا ونحن صغار أن الذي يجعلُ أحد والديه يبكى هو ولد عاقٌّ، وعليه كفارة أن يضحكهم كما أبكاهم، ولكنِ يا أمي سامحيني لا أستطيع إضحاكُكِ فالأشياء تعرف بأضدادها والمرض نقيض الراحة. ﺃﻣّﻲ أنا الآن أرى سعادتي أن أبقى قريباً من أنفاسكِ، أتأملُ قسماتُ وجهكِ ممسكناً يديكِ لا أريدُ غيرَ ذلكَ فما قيمة كل الأشياء الجميلة إن حرمتُ من تقبيل يديكِ وأن تُسمعيني رضاكِ عني.