شعار قسم مدونات

أرض السمر.. ذكريات رمضانية

BLOGS رمضان بالسودان

عشت في تلك البلاد الواسعة قرابة خمسة سنوات؛ تذوقت بها طمع الحياة بأوجهها المختلفة في مسرتها ومضرتها. وكان البلد مفعما بالإنسان؛ وكانت العاطفة والتآخي والتآلف سمة طبيعية عند الناس، فلا تراهم إلا وهم مرحبون ومبادرون بإلقاء التحايا وبشاشة الوجوه بطيبة ونور يشع من وجوههم.. وباختصار كانت بساطة ترافقها الغنى الأخلاقي والرجولة والشهامة؛ ووقفة الأخوة في أحلك الظروف وأضيقها. تلك الطيبة اعترف بها أهل العرب والعجم؛ وكل ما جاور هؤلاء القوم واختلطت طعمه بطعمهم وشاركهم المجالس والحكايات؛ ولا يبادر في ذهنه عند الحديث عنهم سوى إجلال وإكرام لإنسانيتهم التي قلما نلاقيها في عالمنا هذا.

إنها السودان؛ ليست كغيرها.. وفي رمضان تتغير الأحوال ويكثر السباق نحو الخير؛ فهو موسم العبادة والتآخي وإمساك يد الضعيف ومواساته؛ والتذكر بالفقراء المحتاجين، والتقريب بهم وإحساسهم بالأخوة والمساواة الإنسانية من منظور ديني وإسلامي قيم.. فهؤلاء القوم فهم خير السباقين لأداء هذا العطاء والسخاء الرمضاني؛ الذي قلما تلقى أحدهم يتأخر عن القيام من أجله؛ فالكل لهم أسهم بقلة أو بكثرة كيفما كان وحيثما كان.

ومن أهم ما لا يزول عن خاطرتي؛ في الأيام الجميلة في قلبي؛ هي تلك التي أخذتها في أيام رمضان المبارك؛ لولا الظروف والمشاغل لطلبت الصوم في تلك البلاد في كل رمضان يمر على طول عمري. ففي رمضان 1433 هـ كنت مع قافلة دعوية نظمتها جامعة إفريقيا العالمية؛ والتي توجهت صوب الشمال "ولاية الشمالية " بمروي"جرير"، هذه المنطقة الصحراوية الحارة والتي يصل درجات حرارتها إلى ما يفوق الخيال؛ فهي من أحر المناطق، ومع ذلك كنا نؤدي أعمالنا بكل صبر وتحمل.. والصوم في هذه المنطقة له حكاياته الخاصة.. ولكن مع كل الصعوبات المناخية والصوم معا؛ كانت معاملة الناس الطيبة وحسن ترحابهم للضيوف كان ينسينا كل الأتعاب والظروف الصعبة.. 

لحظات رمضان في البلاد العربية كلها جميلة وطيبة؛ فهي تتصف بالتقارب والأخوة؛ ولكن في السودان يختلف رونقه ويتميز عن الكل
لحظات رمضان في البلاد العربية كلها جميلة وطيبة؛ فهي تتصف بالتقارب والأخوة؛ ولكن في السودان يختلف رونقه ويتميز عن الكل
 

وأهم ما أتذكره هو أن الأمسيات ينهمك الأهالي في إعداد الإفطار بصورة جماعية؛ وبأفضل المأكولات المتوفرة لديهم، وبأنواع متعددة؛ ويوضع على صحن عريض يتسع لوضع كل تلك الأنواع المختلفة من الأطعمة؛ ثم يفترش السجادات في أفنية واسعة الأفق خالية من أية أبنية؛ ثم يحضر كل أهالي تلك المنطقة أفضل ما طاب لديهم من الأطعمة؛ فالكل في تسابق من أجل هذا الخير والكرم.. وهذا الكرم ليس مقتصرا على من سعت يده وإنما الكل يشارك على القليل الذي عنده، ولا تجد متأخر مهما كانت الظروف ضيقة أو صعبة عليه. ولا يوجد مارة في الطرق إلا أوقفوهم عنوة؛ وأرغموهم في الجلوس ومشاركة الأكل معهم؛ فما أحلاها عادة.

وبعد الجلوس والاستعداد للإفطار؛ ينشغل الكل بتبادل الحوارات والمعانقات؛ والتعارف، وتبادل الحديث والحكم، والأحاديث الشعبية، وكذلك يتفقد كل واحد جاره المتخلف عن هذه الجلسة لعل مكروها أصابه أو أي أمر طرأ عليه.. فهي جلسة أكل وتودد وتآلف بين الجيران.. وبعد الآذان يأكل الجميع إفطارهم؛ ثم يصلي الجميع الصلاة ثم ينقلب كل إلى بيته مبتسما فرحا لما قام به من كرم وصلة بالجيران والأخوة.

تلك اللحظات وأخواتها؛ حاضرة في كل بقعة من تلك البلاد الطبية؛ فلا المدن والبادية تختلف عن غيرها، فالسجادات المفترشة في جوانب الطرق كانت ومازالت عادة أهل تلك البلاد، لا تتوقف بتبادل الزمان والإنسان؛ فهي سمة اتصف بها أهلها؛ وصارت مديحة وشرف يقر بها أهل الأرض كلهم؛ من أية بقعة كانوا. وأخيرا.. لحظات رمضان في البلاد العربية كلها جميلة وطيبة؛ فهي تتصف بالتقارب والأخوة؛ ولكن في السودان يختلف رونقه ويتميز عن الكل.. وقال الشاعر الحدري في قصيدته:

وغـربـتـي عـلّـمـتني أنـنــي مــكـره بـــأن أصــبّـر نـفـسـا دمـعـها مـطـر
كـفى الـعذاب لـها فـي هـذه الدنيا إن لـم يـطـمئنها الإيمان والـقـدر
أو لم يطمئنها أرض نزلت بها فيها الكرام وفيها الضيف يعتذر 
الطيبون إذا لاحت سرائرهم تلقى المودة في أحشائهم درر
ومنهل كنت في لقياه منهمك حتى وقفت على شطيه ينهمر
إذا تنفس في أرض وأنت بها لتدركن بما لا يدرك البصر
ما كان للجود ركنا غير أربعة النيل والبحر والسودان والسمر