آفة "الجوع" في المجتمع

blogs الفقر
في مجتمعنا نحن عبارة عن مجموعة من الجوعى، أفواهنا، بطوننا، جيوبنا، عقولنا، وحتى قلوبنا جائعة، نحن نعيش في مجتمع جائع مع قوم جياع لا يشبعون حتى ولو تزودوا بالكثير. سيأتي البعض ممن أشبعوا بطونهم الضخمة المنتفخة ويقولون لا، الحمد لله نحن نأكل ونشرب ونشبع، دعوني أقول لكم أننا فعلا جياع، فالجوع له أنواع ووجوه عدة.

النوع الأول هو النوع البسيط، الجائع حقا، لا يجد ما يأكل أو يشرب، أو بعبارة أخرى يسد جوعه واحتياجه من المأكل والمشرب بشق الأنفس، يصارع الحياة ويحاول بكل جهد العيش داخل ذلك المستنقع المليء بالفساد والخداع والقمع والنفاق، المستنقع المليء بالضيم والظلم والاضطهاد، يجاهد بكل حواسه وكيانه لإعالة نفسه وعائلته، يخرج كل يوم ليسبح في ذلك المستنقع المتسخ بالسرطانات والعقارب ليشبع بطنه وبطن أولاده الفارغة منذ أيام المملوءة بالقليل من الخبز الحافي، فلا العقارب تسمح له وتتركه يصارع ليجمع قوت يومه، ولا هي تطعمه أو تضحك عليه ببعض من الفتات.. ومع هذا كله تجد إيمانه بربه كبير والحمد لا يفارق لسانه.

النوع الأخر هم الجياع فكريا، وطبعا الجوع لا يقتصر فقط على البطون، فالجياع فكريا هم الكارثة النكبة والفاجعة التي تحل على أي شعب لتفتك به وتغمسه في أعماق المستنقع، هم جماعة لا يقرؤون ولا يغذون لا فكرهم ولا روحهم، ولا يهتمون لأي وسائل تنمي عقولهم وعقول الآخرين، ولا يؤمنون حتى بما يسمى بالبحوث العلمية أو الاجتماعية وغيرها.. هم قوم يؤمنون فقط بفنون الرقص والغناء وما جاورهما، ومنهم كذلك فرقة أخرى، فرقة حتى ولو كانوا قارئون، فهم فقط يسمعون ثم يتصرفون فلا هم يتحققون مما سمعت أذانهم ولا هم يتفكرون أو يتدبرون، ولا هم يعتمدون على ملكة العقل التي وهبهم الله إياها وأكرمهم بها، هم لا يبحثون ولا يفحصون لا الصواب من الخطأ ولا الحقيقة من السراب. وهناك طائفة أصعب، طائفة أكثر ما يميزهم أنهم على يقين تام بأنهم على حق ومن خالفهم في الرأي مجرد جاهل سفيه لا يفقه ولا يعقل ولا يفهم خصوصا إن كانوا من أصحاب الكراسي الإعلامية المتطرفة والجماعات المشابهة. وعموما فالجياع فكريا هم من بين المساهمين في الانحطاط والتخلف الحضاري.

أولئك القوم المتخمون بطونهم مشبعة، جيوبهم مملوءة، قلوبهم ملهوفة، هم جوعى عطشى للقناعة والرأفة، فلا هم يتصدقون، ولا هم يزكون، ولا هم يردون مال الأجير، ولا هم يعطون لكل ذي حق حقه

النوع الآخر والأصعب هم المتخمون، أصحاب البطون الضخمة المنتفخة، قوم يطمحون للمزيد في كل شيء، على ظهورهم ديون مكدسة من مال الأجير والفقير واليتيم والأرملة والضعيف، ومع هذا يقولون هل من مزيد، قلوبهم مصنوعة من حديد، عقولهم متحجرة، يؤمنون بأن الفقير الضعيف سارق، ناهب، مختلس، طامع فيما رزقهم الله من خير، هؤلاء المتخمون بطونهم مشبعة بكل ما لذ وطاب، وقلوبهم خاوية خميصة، فارغة من كل أنواع الرحمة والطيبة.

 

هم قوم قلوبهم جياع، سياراتهم الفخمة التي يركبون ورائحتهم الفواحة من بعيد التي بها يتعطرون من أغلى الماركات العالمية، وحذائهم الأصلي البراق الذي يرتدون وملابسهم الفاخرة التي يلبسون، لن تزيدهم أناقة ولا نزاهة ولا بهاء عندما يمتنعون بكل شح وبخل ويردون يتيما محتاجا ليشبع بطنه الجائع منذ أيام، أو عندما يقهرون بكل جبروت وطغيان فردا سائلا، طامعا في بعض من إنسانيتهم لاسترداد حقهم المسلوب بقلب مهزوم ونفس مظلومة مكسورة.

هم قوم متخمون، بطونهم مشبعة، جيوبهم مملوءة، قلوبهم ملهوفة، هم جوعى عطشى للقناعة والرأفة، فلا هم يتصدقون، ولا هم يزكون، ولا هم يردون مال الأجير، ولا هم يعطون لكل ذي حق حقه، همهم الوحيد النهب والنصب والاختلاس، ومنهم من يشترون شواهدهم وكراسيهم الإدارية بالمال الذي يملكون والواسطة والمحسوبية التي بها يفتخرون، حتى ولو لم يكونوا لها يستحقون، هم فقط يزورون ويغيرون وتفكيرهم الأساسي في مصلحتهم الفردية الخاصة، هم فعلا قوم قلوبهم جياع، قلوبهم محتاجة لصمامات الرحمة والرأفة والنزاهة والشرف.

فأين هو الخلل في مجتمعنا يا ترى؟ أين هو الخلل إن عاش الفرد كريما بدون أن يطلب احتياجاته الأساسية الضرورية؟ هل الخلل في المسكين الذي لم يعرف كيف يدافع عن حقه في العيش الكريم! أم الخلل في الجشع الذي يملئ قلب ذلك المتخم! أم الخلل في النظام السائد في المستنقع الذي نحيا فيه! وأين هو الخلل في التوقف عن النهب والنصب والاختلاس والعمل بكل نزاهة وشرف؟ وأيضا، أين هو الخلل في مجتمعنا يا ترى؟ هل الخلل في الجياع فكريا الذين يصدقون كل ما سمعت أذانهم وشاهدت أعينهم؟ أم الخلل في الإعلام السلبي الذي يؤثر بشكل ملحوظ في تشكيل أراء واتجاهات المتلقي؟