الثورات لا تنتصر بمثل هؤلاء!

blogs ثورة مصر

بعد سبعة أعوامٍ عِجافٍ أيقنتُ أننا لا نستحق النصر، وأن قصة يوسف بسبعٍ يُغاث بها الناس لا تنطبقُ علينا وعلى حالنا، نُسلّي بها أنفسنا لكن الواقع أدهى وأمر! لن ننتصر ونحن نلهو وراء أضغاث أحلام، لن ننتصر ونحن نجري خلف بضعٍ من الماديات النتنة، لن ننتصر ونحن سليطون اللسان على كل مُخالف، لن ننتصر ونحن نرفعها "لله، لله" والحقيقة أنها للجاه والسلطة! لن ننتصر بقومٍ مثل هؤلاء..

لا أقطع الأمر من رحمة الله، ولا أجعل الناس سواسية بالسوءِ والغايات، لكن ابتلينا بقومٍ جُهّلٌ، غُرَر، يحسبون أنفسهم فوقَ الكلِّ وهم أكثر النّفوس سوءاً. كلٌّ يحمل قضيةً مختلفة ويسعى لتحقيقها على أرضنا، كل من له حلم وجد أن الفرصة قد سنحت لهُ لتحقيق أحلامه بعد أن أصبحت الساحة الآن خليطاً من الطوائف والفصائل! تنوعت الرايات والهتافات، والكل يدعي أنه جاء لنصرتنا، حتى العدو الروسي يظن أنّه ينصرنا، والحقيقة أنهم جميعهم أعدائنا. ابتداءً من "داعش" العدو الذي يقاتل في كل بقعةٍ بعيدة عن العدو الأساسي "النظام" فإنهم وكل يوم يثبتون لمن كان يثق بهم ولو قليلاً أنهم داء العصر وعنوانٌ للغدر والتخاذل، يتركون جبهات النظام آمنة ويتعاونون معهم للتغلغل في المناطق المحررة، لاستباحة الدماء وتحرير المحرر! أليس بالعجبِ العُجاب؟!

صدق الرسول عليه السلام حين قال فيهم: يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان، تأملنا فيهم خيراً لكن خذولنا في أكثر المواطن إحراجاً، طعنوا المجاهدين بظهورهم، والتفوا عليهم في معظم غزواتهم، وأراقوا دماء الشباب وبغوا في البلاد، حتى سقطت خلافتهم المزعومة! لن ننتصر ومعركة تبدأ في الشرقِ يقودها ألف فصيل وبعد يومين يُخذل فصيلٌ بواسطةِ تسعمئة وتسعون فصيل! نعم؛ يحدثُ كل هذا في ساحة الشام في الأرض المباركة، في وصية رسول الله ! أميرٌ يبحث عن سلطةٍ وجاهٍ ومال، ومجاهد مُغرر به يظن أنه يقاتل في سبيل الله، في سبيل ثورته، أرضه، أهله، وهو في الحقيقة يُقاتل بضلالِ أميره الذي يأخذ أوامره من اليد الخفية التي تسيره من الخارج! بالمقابل الصادقين كُثر، والذي همهم الدين والثورة كُثر، لكن مثل هؤلاء لا يُذاع لهم صيتٌ، ولا يُعلا لهم أمرٌ، ولا يُنصبون رُعاةً على رعيّة، ولا تمكّن لهم في الأرضِ شوكة، يهمشون ويُقصون ويوضعون في الصفوف الأخيرة من الأمرِ والنهي، والصفوف الأولى في القتال، لأن هذه الساحة تحركها أيادٍ خفية ملعونة غادرة، لا تريد لنصرٍ أن يتمّ، ولا لكلمةٍ أن تُوحد، ولا لقضيةٍ أن تتحقق يوماً!

لن ننتصر إلا إذا أراد الله أن يعاملنا برحمته، وبرجلٍ صالحٍ منّا! فعند الله تجتمع الخصوم، ويُسأل كلّ باغٍ وظالمٍ عن ظلمه

كذلك لن ننتصر بأقوامٍ يتخاصمون فيما بينهم ويُخوِّنون ويَقتلون من كان لهم يوماً جنباً إلى جنبِ على الجبهات وفي المعارك، ف دائماً ما كانت بنادقهم أشدُّ وأسرع لهيباً وتصويباً على بعضهم البعض، وها هم يثبتون بعد ألفِ خُذلانِ أنهم أعدائنا قبل أن يكونوا مناصرين لنا، الغوطة تُباد، الغوطة تحترق، الغوطة تحدث بها قيامة لا توصف، نساءٌ تخرج من تحت الأنقاض تستصرخ بحيائها "وامعتصماه"، أطفالٌ لا تُعرف أجزائهم الباقية أين اندثرت؟ أشلاءٌ تُلملم من تحت ركام البيوت، رجالٌ يبكون قهراً، عجزٌ يُكبلهم بحصارٍ خانق، يناشدون إخوتهم للتخفيف عنهم، لنصرتهم، فقد دقّت طبول حربهم، لكن النتيجة المفاجئة والاستجابة المباغتة تسبب لهم صدمةً تجعلهم يفقدون الأمل من نُصرتهم!

نعم عزيزي القارئ؛ لا تظن أنهن لم يلبّوا النداء، بل على العكس تماماً عدُّوا العُدّة وجهزوا العتاد، والرجال شحنوا طاقاتهم واستنفروا، استنفروا لقتال بعضهم البعض! كل فصيلٍ وجّه سلاحه نحو الفصيل الآخر بذريعة البغي والاعتداء والغلو والخيانة والغدر والعمالة والإفراط والتفريط وعدم الرضوخ لمحكمة شرعية… كلٌّ عنده أسبابه، وكلٌّ يحسب نفسه على حق! ويبقى المشهد الصادم هو تلك الأسلحة الحديثة التي خرجت وظهرت في معركة الفصائل على بعضهم، بينما كانت مُختفية وغير موجودة في معاركهم ضدّ النظام! قال الله تعالى (أشِدَّاءُ على الكُفّارِ رُحَماءُ بينهمْ)، وهم يثبتون العكس تماماً، أشداءٌ على إخوتهم، رحماءٌ على عدوهم.. مؤسفٌ، مخزٍ ومعيبٌ أمرهم! فكما قال الدكتور أحمد زيدان: خلافاتهم دنيوية ونفوذٌ على الجغرافيا وهواجس على المستقبل وهذا لا علاقة له بالدين كما يدعون. واعلموا أننا لن ننتصر بقومٍ جعلوا الثورة وسيلةً لتحقيق مشاريعهم ومخططاتهم النتنة، ونسوا العدو الأساسي والمجرم الأول!

لن ننتصر إلا إذا أراد الله أن يعاملنا برحمته، وبرجلٍ صالحٍ منّا! فعند الله تجتمع الخصوم، ويُسأل كلّ باغٍ وظالمٍ عن ظلمه، أعدوا أنفسكم يا قادة الفصائل ويا شرعيين الهوى، ستسألون عن كل قطرة دمٍ أرقتموها بفتواكم وفي سبيل تحقيق غاياتكم، سيسأل حينها القاتل والمقتول.. حتى المقتول سيسأل! أما كان حريصاً على قتل أخيه أيضا؟ أعيدوا للثورة زمنها الأول، عودوا رجالاً أشداء إن حميَ الوطيس، اجتمعوا كبنيانٍ مرصوصٍ، طهروا قلوبكم وأعلنوا نهاية خلافاتكم ومشاحناتكم، قبل أن يستبدلكم الله.