شعار قسم مدونات

بِكَتَ بُكَاءً مُرًّا!

blogs دعاء

قال الشعبي: كنت جالساً عند شُريح القاضي، إذ دخلت عليه امرأة تشتكي زوجها وهو غائب وتبكي بُكاءً مُرًّا، فقلت: أصلحك الله ما أراها إلا مظلومة مأخوذاً حقها قال وما علمك؟ قلت لشدة بكائها وكثرة دموعها. قال: لا تفعل إلا بعد أن تتبيّن أمرها، فإن إخوة يوسف جاؤوا أباهم عشاء يبكون وهم له ظالمون.

 

عامر بن شراحيل بن عبد بن ذي كبار أبو عمرو الهمداني الشعبي، والمشهور بـ الإمام الشعبي، تابعي وفقيه ومحدث من السلف، ولد في خلافة عمر بن الخطاب. شريح بن الحارث بن قيس بن الجهم الكندي، كان قاضي الكوفة لستين سنة، قال فيه علي بن أبي طالب "هو أقضى العرب." عاش مائة وثمان سنين وتوفي سنة 78 هجرية " وقيل ثمانين " وترك القضاء قبل موته بسنة واحدة أو بعدة أشهر.

إذا اشْتَبَهَتْ دُموعٌ في خُدودٍ تَبَيّنَ مَنْ بَكَى مِمّنْ تَباكَى

البكاء لا يعني بالضرورة أنك صادق، أو صاحب حق، كثير ما نكون في مواقف بحاجة للبكاء للهروب منها فهو وسيلة للهروب أو الدفاع عن النفس بالبكاء، ولكن عدم بكائك على ميت مثلا لا يعني أيضا أنك غير حزين أو لا تحبه أحيانا يبكيك طير، نملة، كلب، قطة، حجر، إنسان، أي شيء بالكون قد يبكيك ولكن البكاء شفاء كما يقال. فهنالك أنُاس ممثلون بارعون له باع طويل بالبكاء والعويل على أهون الأسباب، وهناك أنُاس قلوبهم كأفئدة الطير أمثال النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر، وعمر ابن الخطاب رضي الله عنهما، كان عمر يرتجف ويبكي إذا قيل له انتق الله يا عمر. يبكي لرقة إحساسه ورهافته، وهناك من لا يرف له جفن ولا يبكي مهما حصل، دائما ما تخدعنا المظاهر وتجبرك على التصديق لكن سرعان ما ينكشف الباطل والزيف مهما طال بقائه.

إذا كنت من الذين يعتدون وينهبون ويسرقون ما لهم وما ليس لهم به حق ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت لا تحمل في قلبك محبة للمسلمين ماذا يفيد بكائك إذا كنت لا تحفظ الجميل

في إحدى الدول الغربية، فُجع شاب بموت زوجته الشابة التي عثر عليها مقتولة، وكان ووالدا الضحية يحاولان مواساته رغم مصابهما وألمها، نظم عددا من المسيرات وسباقات خيرية للركض باسم زوجته وظهر على وسائل الإعلام يشكوا ألمه ويبكي زوجته، إلى إن أثبتت التحريات والتحقيقات بأنه هو القاتل!

ماذا نفعل إذن؟ لا نبكي! هل نتصنع البكاء؟ هل نستطيع أن لا نبكي؟ في حديث الرسول صلى الله عليه والسلم عن تلاوة القران "إن لم تبكوا فتباكوا" هل يقصد الرسول التصنع البكاء على قراءة القران؟ وماذا أفعل لو قرأت ولم أبكي؟ هل أحمل بين جنبيّ قلبا حجر لا يلين ولا يرق؟ أولا الأحاديث التي تحّدثت على التباكي في تلاوة القران في الغالبية العظمة ضعيفة هذا ما اتضح لي عندما تحققت من بعض الأحاديث والحديث المذكور فيه ضعف وضعفه كثير من أئمة الحديث أمثال الألباني وغيرهم… ولكني سأحمله على محمل الصحة لأثبت أن البكاء وليس التباكي يرقق القلب لكن بشرط أن يكون لله وفي الله وفي الخفاء حذر الوقوع في الرياء.

 

وورد في الحديث مدح البكاء في الخفاء في حديث السبعة الذي يضلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله "ورجل ذكر الله خاليا ففاضت عيناه" ويقول الله عز وجل في كتابه العزيز "إِنَّ الَّذِينَ أوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً" (الإسراء:108-109). حتى هنا في السجود قد يكون خفاء أي أنه أحيانا لا يستطيع أن يمسك دموعه من سيلها وكأنها أنهار لا تنضب. من وجد فيه هذا الخصلة فليحمد لله ففي قلبه رقه.

قال الإمام أبو حامد الغزالي: البكاء مستحب مع القراءة وعندها، وطريقه في تحصيله أن يحضر قلبه الحزن بأن يتأمل ما فيه من التهديد والوعيد الشديد والمواثيق والعهود ثم يتأمل تقصيره في ذلك فإن لم يحضره حزن وبكاء يحضر الخواص فليبك على فقد ذلك فإنه من أعظم المصائب.

الذي يبكي في صلاته ليس بالضرورة خاشع والذي لا يبكي في صلاته ليس حجر قلبه ولكن ماذا يفيد بكائك؟ وأنت أكل للربا، وسارق، وقاتل، وخائن، وحارم إخوتك من حقهم بالميراث، ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت لا تقبل بتزويج الإناث خوفا من العار. ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت لا تقل كلمة الحق في وجه جائر ظالم، ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت من الذي ينزعون رضيع من بين يديه أمه، ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت ممن يكسر قلوب الأطفال ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت من الذين يعتدون وينهبون ويسرقون ما لهم وما ليس لهم به حق ماذا يفيد بكائك؟ إذا كنت لا تحمل في قلبك محبة للمسلمين ماذا يفيد بكائك إذا كنت لا تحفظ الجميل ….. ماذا وماذا؟