قدر الإنسان هو الوحدة

blogs - alone

مع كل شروق شمس تبدأ الحياة بضجيجها، تتوغل فينا فتلهينا قليلا عن أنفسنا؛ عمل دؤوب، دراسة، امتحانات، أطفال، جامعات، مدارس والكثير من هذا وذاك، إلى أن يسدل الليل ستاره لتعم السكينة الأرجاء ويثوب كل منا إلى نفسه فتكون أكبر مخاوفنا هي الوحدة، ذاك الشعور بأن لا يد ستحنو علينا ولا أذن ستنصت لترهاتنا ولا قلب سيفهم ألمنا أو يشاركنا فرحنا، وكل كلماتك ستموت يتيمة في قلبك.

لا يرتبط ذاك الشعور بمن لا أصدقاء له أو رفيق ليل فهو موجود فينا جميعا كلعنة أبدية، نجدها بمن هو محاط بالأصدقاء والرفاق ومن هو منبوذ، بمن له زوج ومن هو أعزب، هو شعور لطالما كانت البشرية ومنذ الأزل تحاربه كل هذا التوغل في الكون والعلوم والنفس والحياة نابع عن الخوف من الوحدة؛ كما يقول الروائي الفرنسي غي دو موباسان "إن ألمنا الكبير في الحياة يأتي من كوننا وحيدين للأبد. وكل اعمالنا لا تصب سوى على تبديد هذه الوحدة". 

 

نحن نعمل بشكل دؤوب على ملئ أوقاتنا فقط لتجنب مواجهة أنفسنا وحيدين، هو شعور موشوم في كل نفس بشرية، يعتبر المعظم أن أقسى ما قد يصل إليه هو الإقرار بالوحدة أن يرى كل الذين من حوله ثنائيات لا أحد يمكنه من بينهم أن يلغي وحدته، لكن ما لا يعلمه أن كل البشرية وحيدة، وكل فرد فيها وحيد لا أحد يملك رفيق حقيقي ولن يملك بقدر ما كان هذا الرفيق مثالي هو ناقص وانت وحيد للأبد، لو فكرت بالأمر قليلا لتصالحت معه و لوجدت أن الوحدة شيء مقدس لا لعنة، انظر معي حاول مثلا أن تصنع "صاجة" وهي السجن الانفرادي في الكويت – قد يرى الكثيرين أنها أسوأ شيء قد يمر بها السجين هذا واقع فهو مجبر عليها أما أنت فلا- عدة أيام أو حتى ساعات إن كنت من هواة الكلام ستدرك حينها "ان قدر الإنسان هو الوحدة".

خطرت لي فكرة الصاجة من رواية كل الأشياء، وصف بطل الرواية جاسم لها والطريقة التي ما ينفك يفتعل فيها المشاكل لدخولها بأن أجربها بطريقتي الخاصة، لأدرك تمام أن الوحدة قدر وكلما تصالحت معها كلما سارة الحياة بشكل أقل ألما، حسنا لننظر معا من زاوية أخرى، عندما تمرض فلن يتألم أحد معك ولو أحاطك الجميع أو لم تجد كف تعتني بك، عندما تسير على درجات المطار لا أحد ممن لوحت لهم ستقف حياته أو تصبح ناقصة سيعتاد ويسير وحده كما ستفعل أنت، سأعيد هنا بعضا من كلمات بثينة العيسى "عندما تصعد درجات منصة الإعدام، أنت تصعد وحيدا، عندما تهوي في الفراغ وترفس بقدميك، أنت ترفس وحيدا. عندما ينضب الأوكسجين من دمك، أنت تختنق وحيدا. عندما تصرخ في الهلع، أنت تهلع وحيدا. عندما تموت، فأنت تموت وحيدا. فكيف بوسعك للحظة أن تصدق أنك لست وحيدا في حياتك؟!".

الأمر ليس بهذا السوء الذي تتخيله، بل هو أفضل مما تتصور بعد وصولك لهذه الحقيقة والإيمان بها ستندرج تحتها الكثير من الأمور التي ستخفف من وطأة الحياة؛ لك بعض منها: 
– لن يعود الفراق يرعبك فأنت وحيد بكل الأحوال.
– ستأنس لنفسك و تتصالح معها وتجد العزاء بجوارها.
– لن تجد صعوبة في النوم وحيدا أيام حزنك.
– لن تعود تبحث عن أحد يجفف دمعك، وفي الحقيقة قد لا تحتاج الدموع إلا نادرا.
– ستكتشف الكثير من الأمور التي يمكنك فعلها و الاستمتاع بها وحدك.
–  ستتفجر موهبة ما فيك، ولن تتأخر في صقلها.
– سيفتنك الهدوء و تجد نفسك من محبيه.
–  سينخفض سقف توقعاتك بكل البشرية الأمر الذي سيجعلك تحبب موت الكلام في صدرك على أن تتفوه به.
– ستقل أيام الخواء.

وهنا تكمن قدسية الوحدة، الأمر بسيط فقط تصالح مع هذا الوشم في روحك فلا وجود لعملية تزيله منها او تبقى على تخبطك وخوفك لك الخيار، أنا لا أدعوك للبقاء وحيدا و اعتزال المجتمع بل انت خلقت لتعمر الأرض ولا عمار دون عمل ولا عمل مكتمل دون تعاون، كل ما في الأمر كن متصالحا مع الوحدة ستمر أوقات لا تجد فيها رفيق فكن رفيق نفسك.