المقاومة اللاعُنفية.. كيف تساعد الجماهير الأنظمة الدكتاتورية على البقاء؟

blogs السودان

يمر السودان هذه الأيام بأزمة اقتصادية، وسياسية، ومعيشية طاحنة، وكلمةُ طاحنة ربّما تبدو أكثر رقةً ونعومةً. فالارتفاع الجنوني في أسعار المواد الغذائية اليومية مثل الخبز والسكر والزيت والدقيق، وانعدامها أحيانا، بالإضافة إلى ندرة المواد البترولية ومشتقاتها مثل الجازولين والبنزين وشحّها ودخولها دائرة السوق السوداء، وانخفاض سعر العملة الوطنية "الجنيه" مقابل العملات الأخرى، وغيرها من المؤشرات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تنذر بانهيار وشيك للنظام السياسي، نظام المؤتمر الوطني الذي ظلّ جاثما على صدور السودانيين قرابة الثلاثين عاماً.

 

في يوم الجمعة الماضي، تناقلت وسائل التواصل الاجتماعي صوراً لمجموعات كبيرة من المصّلين، وعلى مناطق متفرقة من العاصمة الخرطوم، وقد اتخذوا من محطاتِ الوقود مساجداً لهم، ودُوراً عتيقة للعبادة، ولأداء صلاة الجمعة. والأمر ليس بغريب على السودانيين، لأنهم يصلون فرائضهم اليومية، وصلاة الجمعة عادة في أماكن عملهم، وفي أماكن أخرى مختلفة -غير المساجد طبعاً- أو ما أُطلق عليها -شخصيا- المساجد المؤقتة، والتي تتمتع بقدسية ضئيلة مقارنة بالمساجد، فتجدهم يصلون في الأزقة، والشوارع الضيقة في الأسواق الشعبية، في أم درمان والخرطوم بحري، وسوق ليبيا، لكن أن يصل الحال إلى هذه الدرجة، وتصبح محطات الوقود دوراً للعبادة، هذا موضوع يستحق التساؤل والتفكير.

 

والسؤال الذي أطرحه بهذا الخصوص هو ليس لماذا لا يثور الشعب السوداني على النظام الحاكم؟ وإنما لماذا وكيف يساعد السودانيّون نظام البشير على البقاء؟ وكيف تزيد هذه الممارسات من سلطة وقوة وعنف نظام المؤتمر الوطني؟ والسؤال الأخير والمهم، هل يمكن النظر إلى هذه الممارسات وأعني صلاة الجمعة في محطات الوقود، والصبر على أزمة المواصلات، والانتظار لساعات طويلة من أجل لا شيء، هل يمكن النظر إلى هذه الممارسات على أنّها نضالات لا عنفية؟

 

أي نظام دكتاتوري في العالم، وهنا أعني نظام البشير، يكون بحاجة إلى مساعدة الشعب الذي يحكمه، حيث أنه من دون هذه المساعدة لا يستطيع النظام تأمين والحفاظ على مصادر قوته السياسية

بدايةً، إن مهمة تحقيق مجتمع سوداني يتمتع بالحرية والسلام، و"الديمقراطية" مع تحفظي على هذه الأخيرة، مهمة صعبة ومعقدة، فهي بحاجة إلى مهارات عظيمة، وتنظيم وتخطيط، وحراك اجتماعي وثقافي وفكري، والأكثر من ذلك تحتاج إلى القوة، لأن المصلّين الذي اصطفوا عند محطة الوقود، وأدّوا صلاة الجمعة خاشعين تحت اشعة الشمس الحارقة، ورائحة البنزين، وزيت الراجع، سائلين وداعين الله -في سرّهم- أن يزيح عنهم هذه الضائقة، والمواطنين أو "المناضلين" الّذي ركبوا سيارات "وبكاسي" الشرطة والأمن، وهي نفسها التي كانت تقودهم إلى المعتقلات، وأوكار التعذيب، إن هؤلاء لن يغيروا النظام بهذه الطريقة، أعني دون عنف وقوة. فالشعوب كما يقول جين شارب: لن تستطيع أن تسقط نظام حكم دكتاتوري وأن تحقق الحرية السياسية من دون القدرة على تطبيق قوتها بفعالية. ولكن ماهي هذه القوة الفعّالة؟

 

واللغز الذي علينا حلّه الآن هو كالآتي: ما نوع القوة التي على الشعب السوداني استخدامها بحيث تكون كافية للقضاء على الدكتاتورية؟ وشبكتها العسكرية، الشرطية، الأمنية، وقوات الدعم السريع.. إلخ. ورغم أنني عنوت المقال "المقاومة اللاعنفية" إلا أن المتسرعين، أو لنقل عشاق الحرية والديمقراطية، وكارهي الأنظمة الدكتاتورية، وربما المعارضين في الداخل والخارج، قد يجيبون بدون تردد: عن طريق العنف والقوّة طبعا، وأنا أضيف بحذر والسلاح أيضاً. انطلاقا من مقولة "ماوتسي تونغ" والتي تقول في فحواها: بأن السلطة تنبع من فوهةِ البندقية.

 

المبدأ هنا بسيط جداً، إن أي نظام دكتاتوري في العالم، وهنا أعني نظام البشير، يكون بحاجة إلى مساعدة الشعب الذي يحكمه، حيث أنه من دون هذه المساعدة لا يستطيع النظام تأمين والحفاظ على مصادر قوته السياسية. فمن دون ذهاب المواطنين إلى محطات الوقود وإقامة الصلاة هناك، أو من دون ركوبهم واستواءهم على ظهور سيارات الشرطة، والأمن، كان بالإمكان أن يكون الأمر مختلفاً بكل تأكيد. في هذه النقطة أنا لا أدعو لعصيان مدني أو ما شابه، وإنما أرمي إلى توضيح الفكرة الخاصة بكيف يحفظ النظام الدكتاتوري مصادر قوته السياسية.

 

في رأيي الشخصي، وبالاعتماد أيضا على رأي جين شارب وملاحظاته، فإن صلاة الجمعة في محطة الوقود، انتظاراً للوقود طبعا، تمثّل نوعا من المقاومة اللاعنفية، ولكنها في جانب آخر تمثل نوعاً من إيمان الشعب السوداني بسلطة النظام الحاكم، وأن طاعته واجب أخلاقي، وديني، وبالتالي فإن هذه الأفعال يمكن اعتبارها مصدرا لتقوية سلطة النظام السياسية، وهنا أتجنب السؤال الذي قد يُطرح في هذه الحالة، وهو إلى أين يذهب الناس لتعبئة سياراتهم بالوقود، هل يذهبون إلى المسجد؟

 

المهم، ما يحتاجه النظام السياسي لفرض قوّته السياسية هو عامل الموارد البشرية، وبالعودة لهذا العامل فإن عدد وأهمية الأشخاص الذين شاركوا في صلاة الجمعة الوقودية، نسبة لمحطة الوقود، يمكن النظر إليهم باعتبارهم متعاونون، ومطيعون، ويقدمون العون للجلاد، حتى يستمر ويجلد، أعني ويحكم.

 

يعمل التعاون والطاعة والمساندة الكاملة، على زيادة توفر مصادر القوة اللازمة، وبالتالي يتسع مدى قوة وعنف الحكومةيعمل التعاون والطاعة والمساندة الكاملة، على زيادة توفر مصادر القوة اللازمة، وبالتالي يتسع مدى قوة وعنف الحكومة
 

ومن بين العوامل التي ترسخ بقاء الدكتاتوريات، هو عامل العقوبات التي يطبقها النظام أو يهدد باستخدامها في حالة العصيان أو اللاتعاون لضمان الخضوع والتعاون اللازمين لبقاء النظام وقدرته على تنفيذ سياساته. فالبقاء لساعات طويلة في صفوف البنزين، أو الركوب في سيارات "دفارات" الشرطة، يعتبر نوعاً من التعاون مع النظام السياسي، فالمدير الذي يتغيّب عن عمله بحجة أنه لم يقف في صف البنزين، ويصلّي صلاة الجمعة ثم يعبئ سيارته بالوقود الذي قد لا يجده، تنظر السلطة السياسية إلى تصرّفه هذا كنوع من اللاتعاون والعصيان، والذي قد يترتب عليه مزيدا من العقوبات. وبما أن المدير، والأستاذ، والموظف، وسائق التاكسي، وصاحب الدراجة البخارية، وأصحاب "التكاتك" قد وقفو صفاً واحد أمام محطة الوقود، وصلوا صلاة الجمعة، يمكنني أن أصفهم وبثقة، أنهم متعاونون، وخاضعون، ويساعدون ويكرسون بصورة أو بأخرى في بقاء النظام.

 

ومن العوامل التي تساعد على بقاء الأنظمة الدكتاتورية المستبدة، هي العوامل غير الملموسة، وتمثل حالة لا عنفية مهمة، والتي يصفها جين شارب بأنها العوامل النفسية والفكرية التي تحث الناس على طاعة ومساعدة الحكام. في هذه النقطة يمكنني القول إن الشعب السوداني وفي ظل فساد النظام الحالي، فساده اللامحدود، والقمع/العنف الذي يمارسه، تدمرت حالته النفسية، والفكرية، والعقدية، واختلطت عنده الموازيين، لدرجة أن محطات الوقود أصبحت مساجداً، وربما يراها السودانيون -في هذه المرحلة بالذات-  أعتق وأكثر قدسية من القباب والكنائس. هذا النوع من الرضوخ/الدمار الفكري والنفسي الذي سببه النظام الحاكم، والذي يحيل محطة الوقود إلى مسجد دون أي تساؤل، اعتبره -شخصيا- تواطئا وتعاوناً، يعزز من بقاء نظام البشير.

 

ختاما، تعتمد هذه المصادر مجتمعة على قبول النظام الحاكم، وعلى خضوع وطاعة جميع السودانيين له، وعلى تعاونهم والعديد من مؤسسات المجتمع، ويعمل التعاون والطاعة والمساندة الكاملة، على زيادة توفر مصادر القوة اللازمة، وبالتالي يتسع مدى قوة وعنف الحكومة، ولكن في المقابل يعمل عدم التعاون الشعبي -عدم الصلاة في محطات الوقود مثلا- والمؤسساتي على تقليص وربما، قطع توفر مصادر القوة التي يعتمد عليها نظام المؤتمر الوطني، فبغياب هذه المصادر تضعف قوة الحكام، ومن ثم تنحل.

 

يقول جون اوستن واصفا وضع أنظمة الحكم الدكتاتوري في مواجهة شعب ممتعض وغير عنيف: "إذا قررت غالبية المواطنين القضاء على الحكومة وتوفرت لديها الرغبة في تحمل ممارساتها القمعية بغية الوصول إلى الخلاص تصبح قوة الحكومة والذين يؤيدونها غير قادرة على حماية الحكومة المستبدة. وبالتالي لن تكون هناك إمكانية لإجبار الناس على العودة للطاعة الدائمة والخضوع". فإذا قرر السودانيون عدم الصلاة في محطة الوقود، وهذا فعل غير عنيف بالمرة، أضف إليه عدد لا بأس به من الممارسات من هذا النوع الاحتجاجي والنضالي اللاعنيف، يصبح بقاء نظام المؤتمر الوطني وحمايته ضربا من ضروب المستحيل.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

المصادر والمراجع:

1-  حنة أرندت، في العنف، دار الساقي، بيروت 2015.

2-  جين شارب، المقاومة اللاعنفية: دراسات في النضال بوسائل اللاعنف، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت 2011.