هكذا أعيش في الأحياء الشعبية!

blogs - poor

في إحدى زوايا بيت يتكون من أربعة حيطان كنت جالسا أتأمل إحدى مقولات أحد الأساتذة حيث قال في أحد الأيام أن الأحياء الشعبية يكثر فيها الأفعال المتعدية، قتل وذبح واغتصب، وبينما أنا أتأمل في ذلك شاردا بدأت أتأمل المكان من حولي، يبدو لي كزنزانة وسط الكهوف تعود إلى القرون الوسطى، رائحة العفن المنبعثة من المكان تشعرني بالغثيان، وأصوات قطرات الماء المنبعثة من الحنفية الصدئة هو الآخرى تشعرني بالاضطراب، وأصوات الأطفال المنبعثة من الخارج و صوت طرق أعمال البناء هي الأخرى تشعرني بالجنون، وأصوات النساء التي لا تتوقف، لا أفرق بين الليل والنهار وسط هذا الضجيج الذي لا ينتهي، لا أستلذ النوم ولا أركز في القراءة، أحيانا أختم رواية ما وأنا غير آبه بما ورد فيها.

 

 في وسط هذه الأزقة الصاخبة حيث صرت أعاني من جميع الاضطرابات النفسية، خصوصا مع اقتراب فصل الصيف حيث تقام الأعراس في كل الأزقة، لا ينتهي بيت من زفاف إلا وتجد جاره الذي أمامه يهيئ نفسه كي يقيم زفافا يضاهي جاره السابق، فأصبح الناس غير ابهين بالمرضى وأصحاب الأعذار، ولا بأصحاب الدوام، أصبح شغلهم الشاغل هو من يحدث ضجة أكثر، حتى وإن أدى ذلك إلى مخاصمة كل جيرانه له.

 

في البداية كانت وجهتي المنشودة هي البحر لكن مؤخرا أصبحت كلما أراه يذكرني بعدد الأبرياء الذين ابتلعهم خصوصا الأطفال والنساء

لكن مع هذا الضجيج المستمر لا أستطيع أن أمكث في المكان ولو لدقيقة واحدة، في بعض الأحيان أمتطي دراجتي الهوائية وأمضي قدما للبحث عن متنفس وسط هذه المدينة التي صار البحث فيها عن مكان هادئ يصلح للقراءة كالبحث عن الكبريت الأحمر، لكثرة المباني وضجيج المعامل والسيارات.

كانت آخر مرة أخرج فيها حملت معي رواية المرأة والوردة لمحمد زفزاف، وكذلك الناي الذي لا يفارقني خرجت بدون وجهة محددة بينما أنا أشق طريقي وسط الدروب لكي أبتعد عن المدينة قدر المستطاع، حينها ذكرتني أغنية حلوه يا بلدي بصوة لينا صليبي التي كنت أستمع إليها؛ بأيام الطفولة التي قضيتها في قريتي بين أحضان الطبيعة حيث لا صوت يعلو على خرير المياه وزقزقة العصافير.

ما أجمل تلك الأيام حينما كنا ننعم بتلك المناظر الجميلة والسكون الدائم، لكن كما يقولون لا يعرف قيمة النعمة إلا فاقدها، في البداية كانت وجهتي المنشودة هي البحر لكن مؤخرا أصبحت كلما أراه يذكرني بعدد الأبرياء الذين ابتلعهم خصوصا الأطفال والنساء، ما زالت صورة ذاك الطفل ايلان أمام ناظري، فصرت أغير الوجهة إلى أماكن أخرة مثل الغابة الخالية رغم بعد المسافة -ساعة في الذهاب وساعة في الرجوع ونصف ساعة للقراءة- إلا أنني أشعر هناك ببعض السكينة، لكن هذه المرة قد صدمت عند ذهابي إلى هناك؛ حيث كانت أعمال البناء قد بدأت في احدى الأماكن التي كنت أقصدها.

 

أصبح هدف أصحاب الشأن هو التنافس في البنايات الشاهقة، غير ابهين بالمخاطر التي أصبح كوكبنا يعاني منها، من احتباس الحراري والتصحر وارتفاع مياه البحار، فأردت كعادتي أن أعزف على الناي فأخدته محاولا عزف مقطوعة ما، لكن مع ضجيج أشغال البناء النابعة من المكان، أصبح الجمع بين نوتات الموسيقى كمحاولة جمع الزئبق، لم يبق لي إلا أن أركب دراجتي من جديد للرجوع عبر شوارعها الصاخبة إلى الحي الذي يعم بالضجيج، إلى حين يقف الزمان، في بيئة مثل هذه حيث يعيش الأطفال فيصيرون كقنابل موقوتة تجاه المجتمع.

 

إن من بين أهم الأسباب التي تدمر مجتمع ما هو التهميش؛ حيث يصير الإنسان يفكر بجميع الوسائل كي ينتقم من أعدائه، بالنسبة له كل من يعيش في ظروف أحسن منه هو عدوه، فيصير يفكر بطريقة للانتقام كيفما كانت، فكان هذا خطأ الغرب أولا حيث أقاموا للمهاجرين العرب مخيمات منعزلة عن المجتمع الغربي، فأصبح كل واحد يفكر في الانتقام مما صنع ذلك بما يسمونه الارهاب.

فهل سيلتفت أحد لمثل هؤلاء الناس أمثالي الذين يعيشون في مستنقعات لا مثيل لها.

 

إعلان

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.


إعلان