"الست".. كيف روضت أم كلثوم أنوثتها؟

blogs أم كلثوم

هي السيدة أو باللكنة المصرية "الست"، أجمل وأكمل لقب حصلت عليه وترنم به معجبوها؛ إطراء تستلذه كل أنثى، أن تُوصف بأنها أنثى بحق، أو أنها سيدة بحق، جميعنا في النهاية سيدات لكن أن تُختصر امرأة في كلمة سيدة هو ترف لم تحظى به جميع النساء. نحن معشر النساء مهما بلغنا من المعالي، ومهما كافحنا في الحياة جنبًا إلى جنب مع الرجال تظل بداخلنا بذرة أنوثه لا ترتوي سوى بكوننا نساء، قد أفرح بكلمة أنتِ ناجحة أو مجتهدة؛ لكن كلمة أنتِ امرأة بحق لها وقع خاص في النفس.

أم كلثوم كأي فتاة حالمة، تمتلك موهبة وتريد أن تكللها بالنجاح، كافحت وتعبت في بداية مشوارها الغنائي؛ ولكنها دفعت ثمن هذا النجاح أنوثتها، فكانت تكتسي بثوب الرجال كأية امرأة اضطرت أو رغبت في خوض تجربة العمل في أي مجال كان؛ إذ أنهم أخبرونا قديمًا أن العمل خارج أبواب المنزل الموصدة هو ميدان الرجال، وعلى المرأة التي تتخطى هذه الأبواب أن تصير مثلهم، أن تطمث أنوثتها وتأد فتنتها.

 

وعت أم كلثوم هذه النصيحة جيدًا وطبقتها حتى آخر لحظة من عمرها؛ فلم تكن في أي لحظة من لحظات عمرها -حتى بعدما تخلت عن حلة الرجال-فتنة لناظرها. رغم أن المهنة التي امتهنتها أم كلثوم كانت تتيح لها الكثير من فرص إظهار تلك الأنوثة التي طُمثت؛ ولكنها سلكت الطريق الأسلم وأظن هذا ما حافظ على دوام نجاحها، هي لم تدخل المجال الغنائي لتثبت أنها الأجمل أو الأبهى حلة؛ ولكن لتثبت أنها الأقوى رسوخًا عبر الزمان، دون الحاجة للابتذال أو الدلال أو أيٍ من أدوات النساء التي توصلهن سريعًا للشهرة.

رغم كل محاولات أم كلثوم لتبدو جادة صارمة وتتجنب الملفت من الثياب والرديء من أساليب النساء؛ إلا أنها لُقبت في النهاية بالسيدة أو "الست"

المرأة التي غنت للحب لم تُحب، من تليت عليها أبيات العشق لم تتذوقه يومًا، من عاشت في كنف كبار الشعراء والملحنين وكان شغلهم الشاغل كيف يشعلون قلوب المستمعين بالحب كانت تمر على هذه النيران المُضرمة مرور الكرام؛ حتى وإن كان من بين هؤلاء الشعراء والملحنين من أحبها وكتب فيها شعرًا أو صاغ فيها لحنًا غنته وترنمت به وتهدجت على أوتاره وكأنها لا تعلم أن خلف هذه الأبيات وهذه الألحان قلوب تئن وزادها صوتها أنينًا..

 

أي امرأة تلك التي تتخلى عن الحب؟! رغم أنه كل يوم يقدم إليها على طبق من ذهب، ومن رجال هم أكثر من سيكونون تفهمًا لطبيعة عملها؛ لكنها أبت للعمل إلا أن يكون عملًا لا مجال للحب فيه حتى وإن كانت مهنتها تدندن حول الحب ومعطياته من صبر، وهجر، وفراق، وتذكر، ونسيان.

الناظر في سيرة هذه السيدة قد يرثى لها ويتعجب كيف أفلتت كل تلك القصص التي كانت من الممكن أن تخلد ضمن قصص الحب الأسطورية، واختارت عملها؛ لكنه لا يملك إلا أن يُعجب بذكائها في إدارة موهبتها، وتخليها عن قدر كبير من أنوثتها والتصرف بشخصية عملية صرفه لا تكترث بغير العمل، وترى جميع الرجال رفاق عمل لا أكثر، تنظر لأبيات العشق والغزل على أنها مهمة عليها إنجازها، وللألحان الرخيمة على أنها سلالم يجب أن تصعدها حتى تصل لمبتغاها.

الكثيرات في مجتمعاتنا ممن خرجن للعمل، وقررن أن يشاطرن الرجال معترك الحياة فشلن فيما نجحت فيه أم كلثوم، فشلن في الوقوف على الحياد مع شركائهم في العمل، فشلن في ترك أنوثتهن في المنزل والخروج للحياة بوجه جامد لا يحمل رقة الإناث، والطامة الكبرى أن هناك أخريات لا يملكن من مقومات النجاح في العمل سوى أنوثتهن الطاغية التي ستعبد لهم كافة الطرق وتوصلهن حيث أردن دون جهد وعناء. أم كلثوم اختارت الطريق الأصعب؛ لكنه الأرسخ، هي إلى الآن محفورة في أذهاننا جميعًا ليس لأنها الأجمل أو الأبهى طلة؛ لكن لكونها الأجدر…مَن مِن نسائنا تستطيع فعل ذلك؟!

رغم كل محاولات أم كلثوم لتبدو جادة صارمة وتتجنب الملفت من الثياب والرديء من أساليب النساء؛ إلا أنها لُقبت في النهاية بالسيدة أو "الست" مع إضافة لام وألف التعريف؛ وكأن لا سيدة في الأرض سواها. كانت حقًا سيدة لا تنازعها في السيادة امرأة سواها، هي السيدة التي روضت أنوثتها وروضت الرجال في محيطها ونالت من النجاح والشهرة والتقدير والاحترام ما نالت إلى يومنا هذا، على روحك السلام يا "ست".