أسلوب الترغيب والترهيب في المؤسسات التعليمية

ماذا لو كان الخطاب بالعقاب والوعيد هو الغالب؟ كيف سيكون حالنا؟ كيف سيكون حال الموظفين أو التلاميذ إن تعرضوا دائماً للتهديد واعتادوا على رؤية قوائم العقوبات على أنها نظام المؤسسة وسياستها؟

السلوك البشري:

بما أن المؤسسات التعليمية تتعامل مع السلوك البشري بشكل مكثف ومتنوع فإن استخدام أسلوب الثواب والعقاب يعتبر من أنجع الطرق لتحفيز السلوكيات المرغوبة ومنع السلوكيات غير مرغوبة. لكن بما أن سلوك الإنسان يعتبر في كثير من الأحيان معقدا ويصعب التنبؤ به إلى حد ما، فإن المحافظة على توازن في بيئة متنوعة كالمدارس والمؤسسات التعليمية أمر في غاية الأهمية. فإن مالت كفة على الأخرى اختلت الموازين وكانت المعطيات عكسية وغالباً غير مرغوبة.

عندما تصبح عقلية إتباع القانون خوفاً من العقاب سنرى المصائب تحل والفوضى تعم عند فقدانه. عدم وجود الوازع الداخلي والعقلية السليمة يخلق أفراد بلا مبدأ ولا وعي ولا انتماء. ممنوع… ممنوع.. ممنوع… يخلق في داخلنا كسر القضبان والتحرر نحو الفوضى بلا طريق ولا رؤية سليمة. لا أعتقد أنه من الأدب أن نقول: (من أمن العقاب، أساء الأدب). بكل بساطة من تربى على احترام الآخرين وعلى الأخلاق الطيبة منذ صغره، لن يمنعه أن يبقى كذلك إن وجد عِقَاب أم لم يوجد. 

الترغيب والترهيب في القرآن الكريم:
العدل من الأمور التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. كأن يطبق أسلوب الثواب والعقاب على الجميع من غير تحيز ويكون على شكل قوانين تطبق بشكل عادل

وخير مثال على ما أطرح هو أسلوب الترغيب والترهيب في القرآن الكريم. حيث كان هذا الأسلوب بارزاً في القرآن الكريم لاعتماده على عنصري الثواب والعقاب، اللذين علم الله من طبيعة البشر أنهما يشكلان حافزاً قويًّا؛ للإقبال على كل ما هو نافع، والانكفاف عن كل ما هو ضار. ومن الأمثلة على ذلك في القرآن الكريم قوله تعالى:" إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ" الأنعام 165. وقوله تعالى: "وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلْمِهِمْ ۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ" الرعد 6.

العدل:

العدل من الأمور التي يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار. كأن يطبق أسلوب الثواب والعقاب على الجميع من غير تحيز ويكون على شكل قوانين تطبق بشكل عادل. أن يكون حجم العقاب مناسباً مع حجم الذنب المقترف، وخلاف ذلك يصبح ظلماً وغلواً يفقد على أثره العقاب هدفه، وهو إيقاف السلوك غير المرغوب.

الإنسانية في التعامل:

من المطلوب أن يعيش الإنسان بشكل طبيعي ومنضبط في حياته اليومية حتى يتمكن من التقدم بشكل متوازن مع معطيات الحياة فلا ينكبُ على الانغماس بالشهوات وحلاوة العيش ولا يستسلم لتحدياتها وقسوة الأيام فييأس. إن الحياة تحتاج إلى توازن بين الأمل من جانب وبين اليأس من جانب آخر من غير زيادة مفرطة في كل جانب منهما.

تعتمد الكثير من المؤسسات على فرض حالة من التوتر يشوبها جو من الخوف من التعرض للعقوبة بشكل مبالغ فيه. وعلى العكس تماماً فإن استخدام الثواب المفرط والترغيب يفقد العمل أهميته ليصبح أدعى للتهاون فيه والتراخي نحوه. الإنسان كائن حي وليس بآلة تعطى تعليمات مجردة.. نحن كائنات مليئة بالأحاسيس والمشاعر التي تقود سلوكياتنا في حياتنا اليومية وتأثر في قراراتنا المصيرية.

المدير:

المدير الناجح هو الذي يُرغِب موظفيه بالعمل من خلال سلسلة من الحوافز لزيادة دافعيتهم وإنشاء روح عمل إيجابية تكون هي المحرك الأسمى للنجاح. وبنفس الوقت يحافظ على المؤسسة من خلال توضيح التهاون في المهمات الموكلة من غير أن تكون هذه تطغى العقوبات على الجو العام. فمن الخطأ أن يكون تصيد الأخطاء هي الغاية أو الوسيلة التي يحافظ بها المدير على هيبته أو على سير عمله.

المعلم هو المحرك للعملية التعليمية وجوهرها، هو الذي يربط بين مكوناتها بتناغم، فيجمع بين النظرية والتطبيق، والمنهاج والطالب، والمدرسة وسياستها والطالب واحتياجاته
 
التلاميذ:

فرض العقوبات على التلاميذ وجعلها هي الطريقة السائدة في ضبط الصف يطفئ على العملية التعليمية جوا من التوتر الذي يعطي نتائج عكسية؛ كأن يكره التلاميذ المادة والمعلم ويصبح التفاعل سطحيا بعيداً عن روح العملية التعليمية، فالتعليم عملية هدفها سام ونبيل. منها بناء الفرد ليصبح قادراً على التعاطي مع المستجدات المعرفية والثقافية في مجتمعه للوصول إلى التعلم البنائي الذاتي.

أيضاً وبلا شك فإن المعلم الذي لا يستخدم نظام عقوبات تضبط سير الحصة الصفية سيذهب جهده أدراج الرياح؛ كفقدان انتباه الطلبة معه، فانعدام الانتباه هو انعدام التَعلم. فلابد من وجود عقوبات تردع محاولات التسيب والإهمال. 

المعلم:

وهو المحرك للعملية التعليمية وجوهرها، هو الذي يربط بين مكوناتها بتناغم، فيجمع بين النظرية والتطبيق، والمنهاج والطالب، والمدرسة وسياستها والطالب واحتياجاته. فما يطبق بحق المعلم من عقوبات تفقده إحساسه بالقيمة المعنوية لرسالته، ذلك من شأنه أن ينعكس على المخرجات التربوية والتعليمية ككل. محاربة المعلم ومعاملته كعامل لا أقل ولا أكثر ومعاملته بتجرد بعيداً عن التقدير والاحترام يفقدنا حب العلم والمعرفة.  تقديرنا للعلم والمعرفة يُبنى على تقدير العلماء والمعلمين. فكيف لمؤسسة تعليمية تريد أن تنشئ جيلاً متعلماً تحارب المعلم في كتابة سلسلة من العقوبات لا تنتهي، فتفقد حقه في الاحترام في مكان يحرق فيه نفسه ليضيء مستقبل الأجيال الصاعدة.



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة