نظرية مؤامرة أم تآمر؟

blogs المؤامرة

بينما كنت بالأمس القريب اتجول في بحر أحد المواقع الإلكترونية، وجدت مقالا يتحدث عن نظرية المؤامرة وأن أمرها غير وارد وأن مشكلة دولنا العربية تكمن في انغماسه تحت هذا الوهم. لكن ما يمكن قبوله في الموضوع أمر مهم يتعلق بوجوب نفض الغبار ووجوب العمل بشتى الطرق من أجل الخروج مما تعيشه أمتنا العربية والإسلامية. أجل العمل وعدم الركون إلى الغير من أجل نهضة فعلية لشعوب منطقتنا العربية والإسلامية. أما بخصوص أمر آخر والمتعلق بوهم المؤامرة وعدم وجود شيء من هذا القبيل، وأن ما نعيش ليس له علاقة بأمور خارجية أو تدبيرات أجنبية، هذا ما لا يمكن السكوت عنه. وهنا تطرح عدة أسئلة منها هل نحن نتعرض لمؤامرات؟ وإن كانت من هم المسؤولون عنها؟ وكيف السبيل إلى مواجهتها والخروج منها؟
 
إن موضوع الحديث عن هذه النظرية وعن وجودها من عدمها، ألف فيه كتاب عرب كثيرون، وتحدثوا عن مؤامرات تحاك ضد العرب والمسلمين. وذلك انطلاقا من تعرفهم على كتب غربية لكتاب غربيين. لكن لن أتحدث عن هذه الكتب بل عن الواقع وما تعيشه دولنا العربية والإسلامية. هذا الواقع الذي يعيشه المسلمون بشكل خاص والعالم بشكل عام من صراعات وحروب مفتعلة وبفعل فاعل. هذه الحروب يتم إشعال فتيلها من قبل جهات لها اجنداتها ومخططاتها من أجل الهيمنة على مقدرات المنطقة الشرق أوسطية التي تزخر بكنوز النفط والغاز وغيرها من الثروات الطبيعية.
 
وإذا ما عدنا بالتاريخ بمائة سنة إلى الوراء نجد فترة نهاية السلطنة العثمانية والتي عرفت عند نهايتها بوصف الرجل المريض، هذه الفترة من الزمن شهدت بروز اتفاقية تاريخية عرفت باسم سايكس بيكو، هذه الاتفاقية المرسومة تم بموجبها تقسيم العالم العربي والإسلامي إلى دول متفرقة بعدما كانوا تحت مظلة الدولة العثمانية. ثم الصراع الذي نشب قبل ذلك عن طريق إخراج مصطلح القومية العربية وظهور ما عرف بالثورة العربية ضد الدولة العثمانية. لقد كان المخطط لهذا الأمر بريطانيا عن طريق المستشرق (لورانس العرب).

ما شهدته تركيا من محاولة انقلابية بينت الوجه القبيح للغرب بصمته على الأمر ظنا منه أن الانقلاب سينج لكن جرت الرياح بما تشتهيه هذه الدول وأصابتهم الخيبة

وفي تلكم الفترة من الزمن عرفت أيضا تسليم التاج البريطاني أرض فلسطين لليهود في سابقة لم يشهدها العالم من قبل، حيث ثم إنشاء أرض قومية لليهود المحتلين على حساب الشعب الفلسطيني المسلم. وفي الحين تم الإعلان عن تأسيس هذه الدولة الجديدة والاعتراف بها في أروقة الأمم المتحدة من قبل أمريكا وروسيا بسرعة فائقة. إذا على ماذا يدل هذا الفعل؟

كما شهدت هذه الفترة من الزمن تقسيم الدول العربية من قبل بريطانيا وفرنسا وبعض الدول الأوربية المسيحية، وتم فرض الوصاية على معظم هذه الدول وهو الأمر الذي سهل دخول اليهود لفلسطين. كما يمكن إضافة أمر مهم فبعد خروج هذا الاحتلال العسكري من معظم الدول العربية باستثناء فلسطين، كان هنالك أمر يتعلق بتعويض هذا الاحتلال بأنظمة عسكرية قمعية وهو ما تم تنفيذه بالفعل، حيث جيء بأنظمة تخدم مصلحة الغرب المسيحي في مقابل بقاء رؤوس على كراسي الحكم. وكان الخوف الغربي من أمر واحد وهو صعود التيارات الإسلامية للحكم. وهنا نلاحظ أن في تلكم الفترات كانت تصعد حكومات ذات توجهات يسارية اشتراكية، ومن بعدها الليبرالية ولم يكن أي اعترض عليها. وفي فترة التسعينات برز ما كان يخشاه الغرب التيارات الإسلامية وصعود جبهة الإنقاذ الجزائرية في انتخابات نزيهة إلى البرلمان، وسرعان ما تم الانقلاب عليهم ودخلت الجزائر في دوامة الدم عقدا من الزمن. فمن كان المسؤول عن الوقوف في وجه هذه التجربة؟ هنالك جهات داخلية بتسيير خارجي ساهمت في الأمر.

وبعد التسعينات دخلت الألفية الجديدة وبعد عقد من الزمن نشبت ثورات عربية ضد هذه الانظمة القمعية، لأسباب عدة. منها بطالة الشباب والفقر والمحسوبية والزبونية والقمع وعدم وجود مساحات حرية للرأي والتعبير ومختلف أشكال الفساد العام والخاص التي شهدته وتشهده دولنا العربية والإسلامية. تونس فمصر وليبيا وسوريا واليمن وغيرها. لكن لاحظ الكل بعد فوز هذه التيارات الاسلامية بنزاهة وشفافية وباختيار شعوب المنطقة لمن يمثلهم تم الانقلاب على إرادة الشعوب واختياراته. والملاحظ هو مباركة الدول الغربية بل ومساندتها للمنقلبين على إرادة الشعوب ودعمهم بشكل مباشر وفي واضحة النهار، فماذا نسمي ذلك أليس يسمى مؤامرة؟

 

الآمال معقودة على شعوب المنطقة أما الأنظمة فقد تبث تواطؤها مع أولئك المتآمرين وقمعها لشعوبها
الآمال معقودة على شعوب المنطقة أما الأنظمة فقد تبث تواطؤها مع أولئك المتآمرين وقمعها لشعوبها
 

نضيف أمرا آخر ما شهدته تركيا من محاولة انقلابية بينت الوجه القبيح للغرب بصمته على الأمر ظنا منه أن الانقلاب سينج لكن جرت الرياح بما تشتهيه هذه الدول وأصابتهم الخيبة خاصة بعد معرفة أن العقل المدبر لهذا الانقلاب موجود بأمريكا وبالتحديد بنسلفانيا. أو ليست هذه مؤامرة!! بالإضافة إلى أحداث جسام تشهدها المنطقة وما تزال وما يحاك ضد هذه الدول وشعوبها.

هذا دون التطرق إلى أمور أخرى اجتماعية وثقافية وغيرها من الأشياء التي تبين أن الأمة تعيش مؤامرات بدوافع عقدية وغيرها. إذا هذه عوامل وأحداث تبين كلها أن مزاعم المؤامرة موجودة وتطبق الخطط على أرض الواقع من قبل واضعيها وهؤلاء هم دول تسمي نفسها بالدول الكبرى والأقوى بالعالم. وهي التي تسيطر على مجلس الأمن وتتجاهل قراراته بل وضربها بعرض الحائط. وهؤلاء هم مسؤولون عن كل ما يجري بمنطقتنا العربية والإسلامية.

أما الواجب علينا، الآمال معقودة على شعوب المنطقة أما الأنظمة فقد تبث تواطؤها مع أولئك المتآمرين وقمعها لشعوبها وحرمانهم من التعبير وحرية الرأي.. الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى ما لا يحمد عقباه وإلى أمور أشد خطورة من ثورات سنة 2011 إن لم تتدارك الأمور. فقد بدأت الشعوب تدرك وتعرف الكثير بعد أن كانت وما يزال بعضها مغيبا. لكن معركة الوعي لاتزال قائمة والزمن كفيل ببيان أمور أخرى.

وفي الأخير بدأت تبرز مؤامرات دنيئة أمام جمهور الشعب العربي والإسلامي، فإذا كان ما يسمى الغرب(المسيحي) يساهم بالوقوف في وجه تطلعات الشعوب وإبعاد من وثقت بهم شعوبهم بطرق مباشرة وغير مباشرة، فهذا يعتبر تآمرا وإلا لما يضع نفسه ويحشرها في كل لقاءاته التي يعقدها سواء مع الغرب نفسه سرا وعلينا. أو مع حكام أنظمة تعمل لصالحه، فالوقائع تؤكد وجود تآمر أكثر مما يعرف بوجود نظرية المؤامرة…!