شعار قسم مدونات

حينما قربني مرضي من حبيبي أكثر

blogs البكاء في الدعاء

في ذلك اليوم اشتد علي المرض.. وظللت مستيقظة طوال الليل.. تارة أستغفر وتارة أسبح.. وتارة تنسدل الدموع على خدي كأنها سيل من جراء الألم. الليل كان حالكا جدا وباردا.. ولم أجد من يواسيني أو يخفف عني وقع السقم، إلا أربع جدران أكاد لا أستطيع مغادرتها لأنني وحيدة في الغربة.

 

في عز محنتي وألمي، فجأة تذكرت أن ما ألمّ بي ظرف لن يستمر للأبد وسوف يمضي. لكنني لم أستطع أن أمنع نفسي من أن أسرح بخيالي والتفكير في كل المرضى الذين يعانون صباح مساء، لأيام وشهور بل سنين أحيانا.. يا إلهي! كيف يتحملون؟ كيف يتعايشون مع الألم كل هذا الوقت؟! لابد أن في الأمر سرا حتما..

 
ثم مر بخاطري أحد الإخوة، الذي أتابع صفحته على الفيس بوك منذ فترة، فتذكرت ثبات الرجل وتفاؤله، وتمسكه بمهنته التي يحبها رغم كل شيء، حتى لكأنه يبدو كائنا فضائيا في ظل غيمة التشاؤم التي ينشرها جل من حولنا لأتفه الأسباب. هو محارب سرطان كما اختار أن يسمي نفسه. ولكنه فضلا عن ذلك، جعل من مرافقة العلاج الكيماوي له مادة للسخرية ونشر البسمة أحيانا.. والله وحده يعلم كم من مريض يستمد من تباثه وعزيمته القوة على مواجهة الألم والضعف بقلب ثابت وأمل بالشفاء. إنه حقا قنديل منير وسط عتمة من الظلام في نظري.. استشعرت لأول مرة ربما بعمق، محنته وصبره، وعزيمته وتفاؤله، فابتسمت وأدمعت عيناي وحمدت الله كثيرا على لطفه وكرمه، ورفعت كفي بالدعاء له ولجميع المرضى بالشفاء، وأنا أحس بكل جوارحي معنى أن ينتقل الإنسان في رمشة عين، من حالة القوة إلى حالة الوهن والضعف ولا حول له ولا قوة..

 

سلاما على قلوب تتألم ولا تتكلم.. تواجه موجات الحياة المتصاعدة قوتها ولا تنكسر.. لا تؤمن ولا تطمح إلا لأمرين اثنين.. عيشة دنيوية بصحبة المولى وفي رحاب محبته وقربه في كل الأحوال

حينما مرضت فجأة، وتداعى كامل جسدي سهرا وحمى، أدركت فجأة أنه لا ينفعني أهل ولا مال ولا بنون.. أدركت أنه حين يحل الليل ويعم الظلام.. سينام الجميع وسأواجه الألم وحدي.. ولا أنيس ولا رفيق سيحمل عني هم الوجع والسهر.. أدركت يقينا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه.. أدركت أن الحياة بدون الأنس بالله والشعور بدفيء عطفه وجميل إحسانه.. تستحيل مع الألم.. ثم أيقنت أن نفسي إن لم أحسن إليها وأتعاهدها بالطاعات ومساعدة الغير والإحساس بهم، وإن لم أسقها ما استطعت من بحر الفضيلة، وأحيطها بالرفقة الطيبة المعينة على الخير والبر، تخلت عني هي أيضا في محنتي وضعفي.. فكيف لجندي أهملته في وقت السلم أن يهب لمساعدتي والوقوف إلى صفي في أوقات الشدة والكرب؟

 

حينما أدركت كل هذا، صرخت من أعماقي في عز لحظات المعاناة والدمع ينهمر من مقلتي.. أحبك ربي.. أحبك إلهي.. فبحبي إياك وحاجتي إليك، ارحمني واعطف علي.. وأشفق على ضعفي.. أحبك ربي على كل السنين التي أنعمت بها علي بالصحة والعافية ولم أدرك قيمة جزيل عطاياك إلا الآن.. أحمدك ربي أن ابتليتني حتى أهب لأساعد المحتاج وأحن على الضعيف.. وأواسي المبتلى..
 
لك الحمد يا ربي أن أيقظت في نفسي إنسانيتها من جديد.. أحسست فجأة وكأن قوة خفية تمسح على رأسي. فأغفو قليلا تم أعاود الاستيقاظ من جديد تحت وطأة الألم. فلا أملك إلا ذكر حبيبي بين استغفار وتسبيح.. فأستشعر جبره لي حتى لكأنني أكاد أتوهم الحمى وكأنها قبلات حارة على جبيني، تغدق علي عطفا وحبا وأنسا، فأدرك بغتة أنني لست وحيدة أينما حللت وارتحلت في هذا العالم الشاسع، بل لي رفيق واحد دائم، لا يتخلى عني أبدا في صحوي ونومي، وفي قوتي وضعفي.. في عز فرحي، وفي شدة ترحي.. ولو أنني غفلت عنه في تمام صحتي وغمرة انشغالي بزهرة الحياة الدنيا..

 

ثم فجأة يندثر الألم ويتلاشى رويدا رويدا، وتحل مكانه السكينة والرضى بالقضاء والقدر. وذلك أن الألم المادي لا يجبره إلا وجود حبيب لا يتخلى عني في لحظات ضعفي.. ولا تنام عينه عن مراقبتي والناس نيام.. ويسمع دعائي في غسق الدجى وآناء الليل وأطراف النهار.. فتأتي آياته واستجابته لدعواتي ورجائي كبلسم شاف، وكشربة ماء باردة بعد عطش طويل..

  undefined

 

قد يضني جسمك السقم.. وقد تشعر بالوهن.. وقد يجافيك النوم من شدة الألم.. لكن بوجود الله تعالى بقربك ومسحه على جراحك.. تستشعر لذة داخلية لا مثيل لها.. وتتذكر أن هذا الوقت سوف يمضي.. فإما إلى شفاء مع نفس أقوى وهمة أعلى ويقين لا ينقطع.. أو إلى جوار الحبيب الذي حاشاه أن يجازي حبك له وحسن ظنك به بغير العطف والنعيم والعفو..

فسلاما على قلوب تتألم ولا تتكلم.. تواجه موجات الحياة المتصاعدة قوتها ولا تنكسر.. تحب.. تعطف.. تواسي لأنها لا تعرف إلا العطاء.. ولا تؤمن ولا تطمح إلا لأمرين اثنين.. عيشة دنيوية بصحبة المولى وفي رحاب محبته وقربه في كل الأحوال.. أو عيشة أخروية في رحاب نعيمه المقيم وجنان الخلد التي لا شقاء فيها ولا تعب.. ولا أجد ما أختم به إلا قول الحبيب المصطفى عليه الصلاة والسلام: "عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سرّاء شكر؛ فكان خيراً له، وإن أصابته ضرّاء صبر؛ فكان خيراً له" رواه مسلم.

 

ما يلزم فقط هو أن تكون مؤمنا..نعم أن تكون مؤمنا يقينا بقدرته تعالى على أخدك من حال إلى حال في لمح البصر.. تأملوها فقط وليذكر أولو الألباب..

الآراء الواردة في المقال لا تعكس بالضرورة الموقف التحريري لشبكة الجزيرة.