أسباب الغضب الصومالي تجاه الإمارات

مدونات - الإمارات والصومال الجيش الصومالي

لم أكن أنوي الخوض فيما حدث أخيراً بين الصومال والإمارات من تدهور العلاقات بين البلدين لعدة أسباب، منها: أن القضية أصبحت متناولة في جميع المنصات الاجتماعية وعلى مستويات متنوعة وبلغات متعددة وبحماسة غير منتهية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كنتُ آمل وانتظر أن تهدأ الأوضاع السياسية وتأخذ مسارها الطبيعي لتراجع الإمارات خطواتها وتفهم أن لغة القوة والإقصاء لا تجدي نفعاً، وأن تعلم أن لأيّ دولة لها الحقّ المطلق في كيف تتعامل مع الدول الأخرى، وأنه مهما كانت الظروف لن تركع الصومال إلا لله، اسألوا ذلكم الأمريكان الدين دخلوا الصومال وبقوة بعد سقوط حكومة زياد بري فعندهم الخبر اليقين حيث تمّ إجلاءهم في منتصف الليل ودون استعداد أو إعلان مسبق ليكون درساً لن ينسوه أبدا.

 

بعد هذه المقدمة السّريعة يطيب لي أن أُحدِّثكم عن إمرأة صومالية جاوزت الستّين من عمرها ومقيمة في الولايات المتحدّة الأمريكية حالياً، كان عهدها بالصومال قبل سقوط الحكومة المركزية ولا تعرف عن السياسة شيئا، بل كانت بعيدة كل البعد عما يُقال عن الصومال لبعد زمنها عن أرض الوطن، ولبون المسافة التي تفصل بينها وبين الصومال، إضافة إلى أنها ربة منزل وأم لتسعة أولاد ومشغولة في رعاية أبنائها وإصلاح بيتها ومع ذلك رأيتها تلعن الإمارات وتدعو عليهم بالويل والمصائب لتنضم بعد ذلك مع ركب السياسة والمحللين جاهدة أن تسمع كل جديد عن البلدين وماذا كانت ردة فعل محمد عبدالله فرماجو رئيس جمهورية الصومال.

 

في الثامن من آذار من العام الجاري شنّ الذباب الإلكتروني الممول من قبل الإمارات هجوماً على الحكومة الصومالية بقصد تشويهها واستعانوا نشطاء من عدة جنسيات عربية وغرّدوا على هاشتا جات: فارماجو _يمزق الصومال

كان ذلك عندما طردت السلطات الإماراتية متسابقًا صوماليًا مشاركًا في جائزة دبي للقرآن الكريم، بعد رفض الصومال قطع علاقتها مع قطر إزاء الأزمة الخليجية حيث اختارت الصومال أن تكون محايداً من الخلافات التي تجري بين أشقاءها، وتداول مغرِّدون على مواقع التواصل الاجتماعي مقطع فيديو للمتسابق الصومالي إسماعيل عمر مطر عقب إنهاء إجراءاته في مسابقة جائزة دبي للقرآن الكريم وهو يشرح كيف تم طرده من المسابقة وبطريقة غير أخلاقية على الإطلاق.

 

طلع إسماعيل مطر في هذا الفيديو حزينا مكتئبا تبدو عليه علامات الحزن والغضب متبصرا محتسبا في ذلك المصاب الجلل والذي أهبط نيّته واهدر عزيمته وبدون ذنب أقترفه ولا جرم ارتكبه مما أثار غضب الصوماليين الأحرار رجالاً ونساء شبانا وشيوخا حتى أصبحت شبكات التواصل الاجتماعي منبراً مخصصاً للحديث عن القضية الوليدة العهد وحاول البعض جمع تبرعات – وإن لم يحدث ذلك- للمتسابق المطرود إسماعيل مطر جبراً لكسره وليجد العوض عما أصابه وذلك قبل أن استضافته دولة قطر القارئ المظلوم إلى أرضها ليستقر هناك وليمارس العيش الهنيء بين إخوانه القطريين!

 
الجذير بالذكر أن المتسابق الذي تم طرده من المسابقة هو من أبناء أرض الصومال المعروفة بـصومال لاند والتي أعلنت استقلالها من طرف واحد مما يشير إلي أن الصوماليين بأقاليمهم المختلفة يدٌّ على من سواهم، حتى جيبوتي التي هي دولة مستقلة وقف شعبها ضد هذا الظلم الغاشم الذي كتب في حبر لن يقدر الزمن محوه!

  undefined

 

بعد هذه الحادثة وتمسك الحكومة الصومالية بالموقف الحيادي جنحت دولة الإمارات إلى التغلغل في صفوف الحكومة الصومالية مستخدمة كل وسائل الممكنة محاولة لتقسيم الشارع الصومالي في رؤيته تجاه الأزمة الخليجية في استخدام أشخاص سياسيين وإعلاميين في داخل الصومال وخارجها!

وبعد فشل الإمارات تطويع الحكومة الصومالية وفرضها على المشاركة في حصار قطر بدأت تأليب الولايات الصومالية على الحكومة المركزية لإجبارها على تغيير موقفها ولم يثمر ذلك المجهود بيد أنه حاول بعض حكام الولايات الصومالية الانصياع للرز الإماراتي حيث أعلنت كل من إدارة بونتلاند وإدارة غلمدوغ وإدارة جنوب الغرب دعمهم لحصار قطر وأدانوا الحكومة الفيدرالية في موقفها الحيادي مما أثار غضب المجتمع الصومالي أيضاً والذي يكنّ كل الاحترام والتقدير للحكومة الفدرالية الجديدة ولم يمكن للولايات التمسك بموقفها الانفرادي حتى تراجعت عن الحلم المعسول وكان هذا السلوك يشير الي رغبة الإمارات في إهانة الحكومة الفيدرالية ومحاصرتها من كل الجهات.

  
ثم بما أن ذلك السعيّ لم يثن للحكومة الصومالية عن موقفها جزمت الإمارات عبر شركتها مباني دبي إبرام اتفاق مع حكومة صومالاند في تشغيل مباني بر برة لمدة ثلاثين عاماً في خطوة رآها كثير من الصوماليين افتزازا وإضعافا للحكومة الفدرالية. في الثامن من آذار من العام الجاري شنّ الذباب الإلكتروني الممول من قبل الإمارات هجوماً على الحكومة الصومالية بقصد تشويهها واستعانوا نشطاء من عدة جنسيات عربية وغرّدوا على هاشتا جات: فارماجو _يمزق الصومال، فارماجو_جلاد_الأطفال، وغيرها من الألفاظ التي لا تليق برئيس دولة كفرماجو، ولقد ردّ الناشطون الصوماليون على تلك التغريدات التي تكشف حجم التخبط التي تعانيها الإمارات بسبب موقف الصومال الثابت من الأزمة الخليجية ردًّا لاذعا.

 

لم يتوقف الهجوم الإلكتروني الإماراتي عند هذا الحد بل دخل إعلاميون إماراتيون ومسؤولون خليجيون في الحملة التيوترية، كان أبرزها تغريدة وزير الخارجية في مملكة البحرين خالد بن أحمد ووزير الدولة للشؤون الخارجية في الإمارات أنور قرقاش وقائد شرطة إمارة دبي الفريق ضاحي خلفان حيث حاولوا كيل التهم للصومال واتهام بعض المسؤولين بالتخابر مع قطر مما أدي إلى تفاقم الأزمة بين البلدين! تلى ذلك الخلاف الذي حدث بين الحكومة ورئيس البرلمان الصومالي وما قيل عن ذلك من أن دولة الإمارات وراء زعزعة الصومال وتموّل طرفا لصالحها ثم الانفجارات المتتالية وإتهام بعض المحلّيين الصوماليين دولة الإمارات بذلك.

  

 

بعد كل هذه التجاوزات من الإمارات وتغميض الحكومة الصومالية عينها مما يحدث في الساحة الصومالية لم يكن بداً من اتخاذ قرار صارم تجاه هذا التدخل السافر من الإمارات والدي يبدو أنها تتعامل مع الصومال بالجانب السلبي حتى جاءت الطائرة الإماراتية والتي تحمل أكثر من تسعة ملايين دولار أمريكي ،وتحمل على متنها أربعين جنديا إماراتياً مما أشعل نار الغضب للحكومة الصومالية لتتخذ هذه المرّة خطوات لازمة تجاه تعامل دولة الإمارات من بينها:
*مصادرة هذه المبالغ الإماراتية وفتح باب التحقيق بشأن مصدر تلك الأموال وإلى أين تتجه، وماهي دوافع إدخال هذا المبلغ إلى البلاد.
*إنهاء الوجود العسكري الإماراتي في الصومال ونقل مسؤولية تدريب هذه القوات إلى قيادة الجيش الصومالي.
*ثم منع إدارة بنتلاند الضباط الإماراتيين نقل معداتهم العسكرية والتي قالت إن هذه المعدات أصبحت ملكا لحكومة إقليم بنتلاند شرق الصومال.
 
بعد اتخاذ هذه الخطوات وغيرها من الحكومة الصومالية لم تملك الإمارات نفسها لبحث الحلّ وتغيير هذه الطريقة العبثية والتي أوصلت إلى طريق مسدود حتى ألقى وزير الخارجية الإماراتيّ خطاباً يستعطف فيه الحكومة الصومالية وشعبها بأن الإمارات كانت وستكون مع الوحدّة الصومالية.

 

أخيراً أجزم أن دولة الإمارات متحيرة في تحديد موقفها مع الصومال وبحث مصلحتها بالطريقة المناسبة لها، كما أنني لا أشك أنها لقيت ضربات مؤجعة من المواقف الشعبية وقرارات الحكومة الصومالية بمستوياتها مما يكون درساً يبقى في ذاكرة الإمارات، أضف إلي ذلك أن ثقة الشعب الصومالي بالتعامل مع الإمارات لن تتراجع بسهولة.

ولننتظر ما تحمله الأيام القادمة من أخبار فعند الجهينة الخبر اليقين!