لم ننسى أرضنا يا جدي!

Blogs- فلسطين

"الكبار يموتون والصغار ينسون" مقولةٌ ابتدعها رئيس الوزراء الأول للاحتلال الإسرائيلي ديفيد بن غوريون في محاولة منه أن يدّعم وجود الاحتلال على أرض فلسطين، إبان النكبة عام 1948؛ لكن ذلك سُحق تحت أقدام أحفاد الأجداد الذين حملوا وصية كبارهم بعد موتهم؛ وامتشقوا مفتاح العودة سلاحاً لهم، ولم ينسوا أرضهم. أحاديث أجدادنا عن أرضنا فلسطين وعشقهم لها، زادنا شوقًا، وكَبُر فينا مع كل يومٍ يمر على نغمات حُبها، وألحان البراءة التي كانت تشدوا مع أغصان الطير الذي كان يغني في سمائها، وتراتيل العودة نحو كل شبرٍ كان لنا اغتصبه الاحتلال منّا، وطرودا أهلنا منه.

جمال تلك الأرض، وهوائها العليل، وزنبقها الفواح، وحنّونها الأحمر، لم يغيب يوماً عن أحاديث أجدادنا في كل مكانٍ مررنا به، وطُبعت أثار أقدامهم فيه، لنبقى على أمل أن تلفحنا تلك النسمات يوماً قريباً ونحن فوق أرضنا محررين لها، شامخين كما زيتونها وأشجار تينها. جلستُ يوماً مع شقيقتي بجوار جدي نُغني بصوتٍ واحد " راجعين لك راجعين يا بلادنا راجعين" فنظر جدي نحونا وشق ابتسامته من بين دموعٍ انسكبت شوقاً لأراضي فلسطين وكأن كلماتنا يجوبها الخشوع، رغم أننا نعيش في الجزء المحرر "غزة" لكن الحنين لتحرير باقي الأرض ما زال.

كبُرنا وأصبحنا نتغنى بأسماء بلداتنا الفلسطينية ونفخر باسمها الحقيقي دون تزييف عبر الإذاعة المدرسية، نشدو ونقرأ القصائد عن زهر البرتقال، وعن جمال الأسوار، والأنهار، نهتف باسم فلسطين بعد بسم الله، نعلو صيحاتنا لأن تصبح فلسطين حرة مع كل صباح، نقرأ على أرواح الشهداء السلام، ونقف دقيقة حداد على من يهدي ثمن الحرية للأرض الدماء، نهتف بصوتٍ يعلوه الحماس " الحرية لأسرانا"، كل الدقائق التي حُددت لأجل الإذاعة المدرسية لم تتسع لجمال هذه الأرض.

أما أسمائنا التي منحنا إياها أهلنا لم تكن عادية، بل توزن بماء الذهب كما قُرانا تلك التي سلبها الاحتلال، فصديقتي بيسان وقفت يوماً وسط جموع الطالبات تفخر بحروف اسمها، لتقول:" اسمي جزء من وطني الذي سنعود له قريباً" وكلها يقين أن موعدها مع بيسان أياماً معدودات، أما سيمفونية الوطن التي ابتدعنا تلحينها مع ضحكاتنا ذات يوم بين صديقاتي ثورة، انتفاضة، نضال، تحرير، فلسطين، ليكونا عنوان ثورةٍ لم نكل من تفسيرها لبعضنا لأن النضال يؤدي إلى تحرير معشوقتنا فلسطين.

ما زلنا نؤمن بعودتنا، وفي كلِ يومٍ لنا حديثاً مع أرضنا، أرضنا التي وجب علينا أن نخلدها في صفحات التاريخ لتسطر أن الـ 30 من مارس لكل عام هو ما زلنا نؤمن بعودتنا، وفي كلِ يومٍ لنا حديثاً مع أرضنا، أرضنا التي وجب علينا أن نخلدها في صفحات التاريخ لتسطر أن الـ 30 من مارس لكل عام هو "يوم الأرض"
 

صديقتي فاطمة شاء القدر أن نلتقي يوماً ووالدتها مسافرة لتزور ما تبقى من عائلتها صامداً رغم قهر الاحتلال لهم، يسكن في الأراضي المحتلة عام 1948، بعد محاولاتٍ عدّة بالسفر ومنع الاحتلال لها من زيارة مكان ميلادها وأرضها وأرض أباءها وأجدادها، قُلت لها: " تخيلي يا فاطمة أن هذه السيارة التي تنقلنا إلى الجامعة، تخطو السير نحو بلادنا التي نشتاق إليها ونقضي أجمل الأوقات دون احتلال.."، ليوغل الحنين في قلبها ويزداد أكثر ويستوطن فيها!

أما يافا الجميلة صديقة أختي التي تبلغ أعوامها عدد أصابع يدي اليمنى، ويزيد عليها إصبعاً واحداً من اليد اليسرى، تشبه تلك المدينة التي أخبرني جدي عن برتقالها حين أحضرتُ له برتقالاً تفوح رائحته عطراً، ضمها إلى يديه وتسلل من مكاننا ذاهباً إلى يافا، يشتم برتقالها الذي ما زال عطره بين تجاعيد يده بعد أكثر من سبعون عاماً، مستنكراً أن يشبه جمال وعطر يافا أي شيء آخر!

أجدادنا لا يكلّوا من ذكر أرضنا أمامنا، كي لا نملّ بحثاً عن أي وسيلةٍ لنعود إليها؛ فالعودة كفلتها القوانين الدولية، وخاصة قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 194 الذي صدر في تاريخ 11/12/1948 وأقر وجوب السماح بالعودة في أقرب وقت ممكن للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم والعيش بسلام مع جيرانهم، ووجوب دفع تعويضات عن ممتلكات الذين يقررون عدم العودة إلى ديارهم وعن كل مفقود أو مصاب بضرر، عندما يكون من الواجب وفقاً لمبادئ القانون أن يعوض عن ذلك الفقدان أو الضرر من قبل الحكومات أو السلطات المسؤولة.

وتابع القانون قرارته بـ "إصدار تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي وكذلك دفع التعويضات وبالمحافظة على الاتصال الوثيق بمدير إغاثة الأمم المتحدة للاجئين الفلسطينيين، ومن خلاله بالهيئات والوكالات المتخصصة المناسبة في منظمة الأمم المتحدة". وأيضاً تقرر "وجوب منح سكان فلسطين جميعهم أقصى حرية ممكنة للوصول إلى مدينة القدس بطريق البر والسكك الحديدية وبطريق الجو، وذلك إلى أن تتفق الحكومات والسلطات المعنية على ترتيبات أكثر تفصيلاً".

ما زلنا نؤمن بعودتنا، وفي كلِ يومٍ لنا حديثاً مع أرضنا، أرضنا التي وجب علينا أن نخلدها في صفحات التاريخ لتسطر أن الـ 30 من مارس لكل عام هو "يوم الأرض"، هذا اليوم الذي يشهد على جرائم الاحتلال الإسرائيلي في سرقة الأراضي الفلسطينية وخاصة في ذاك التاريخ من عام 1976م، ومصادرة الآلاف الدونمات في الجليل والمثلث والنقب.

لم يصادر الاحتلال الإسرائيلي أراضينا فحسب، بل قتل العديد من أبناء هذه الأرض، وجرح آخرين. لم يكتفي الاحتلال منذ عام 1948 حتى عام 1972 بمصادرة مليوني دونماً من أراضي ومن وقرى فلسطين، فما زال يهوّد ويغتصب ويسيطر على ما تبقى من أراضٍ مع الفلسطينيين في كافة مُدنها؛ لتبقى هذه الأرض تلعن المغتصبين، وتطرد كل باغٍ عليها، وتشتاق لأهلها الأصليين أن يعودوا إليها، آن الآوان لأن يجتمع الكل الفلسطيني على قلب وطنٍ واحد من أجل حقنا الأزلي، ونقاوم بكل السُبل، ونصعد على منبر اللجوء ونقول "حيّ على العودة إلى فلسطين؛ فهي لنا من بحرها لنهرها ومن فائها لنونها"، لنحقق مستقبل مشرق في وطن حر.