شعار قسم مدونات

فصلٌ جديد يوشك أن يبدأ

blogs تخرج

تماما كترقب الجمهور لفصل جديد من مسرحية طويلة أُغْلِقَ ستارُ مسرحها وأوشك أن يُفتَح.. كلهفة طالب أنهى للتو المرحلة الثانوية ويتحرق شوقا لأن يخطو أولى خطواته على البساط الجامعي.. أو كنظرة بصير أطلق عَنان بصره للسماء فرآى تراكم الغمام بعضه فوق بعض مبشرا بهطول الغيث ومنذرا بالبروق والرعود. جميع أولئك يجمعهم الأمل والترقب وشيء من القلق والخوف.. مزيج من الأحاسيس ضربت بجذورها في عميق القلب.. وأحدثت فيه شيئا لا أدرى كُنَّهُ غير أنني أردت توثيقه الآن بهذه الكلمات على مرآى ومسمع الحِبر والقلم.. تعلمون يا رفاق أن اللغة مَطِّيةٌ للكاتب تشاركه الشعور وتقاسمه ما يختلج فؤاده فقط بمداد من الأحبار والأوراق.

كيف لا وقد كان القلم رفيق غربتي التي امتدت ثلاث وعشرون سنة.. سنوات هي جُلُ عمري قد أمضيتها بحال غير تلك المقبلة عليها.. اليوم تُقلب الصفحة.. بل تُغلق دفة الكتاب ليُفتح آخر.. ولعلني أبتدئ عمرا جديدا إن أراد الله بدءا من الصفر.. كما لكل شيء نهاية ولكل سطر نقطة.. كما قضى الله أزلا أن كل شيء إلى انتهاء ولا يبقى غير وجهه ذو الجلال والإكرام. صدقوني إن قلت أنه برغم خيالي الفسيح الحالم ونظراتي المسافرة إلى ما وراء الأيام لم أكن لأرسم تصورا عن تلك اللحظة.. لحظه انقضاء غربتنا.. ربما لأن الأمل وحده لم يكن هو المسيطر الوحيد على سيل المشاعر آنذاك.. بل كان القلق والخوف يسكنان شغاف القلب ويدعوانني لأن أوقف تدفق الأفكار وأردد لعله خير.

في طيات الثواني سنون أذهبت وأتت بالكثير.. تماما كرياح تنحت الصخر لنرى جبالا راسيات فيما بعد.. تستحق ان نكتبها لننظر اليها بعين الامتنان عندما نبلغ ما نصبو إليه

إذ كيف لفتاة اعتادت في غربتها على رغد العيش وكأن كل شيء ينظر إليها بعين الدلال أن تبدأ قصه جديدة في بلد آخر يقال عنه أنه الموطن.. فقد أحبت الغربة ولم تستشعر يوما أن هناك خطب ما بصدد عيشها في موطن غير مسقط رأسها.. قد كان حقا كل شيء يدعو إلى السلام والطمأنينة.. كيف لا وقد حجبت عنها مظلة الأبوية زخات المطر وعاشت طوال أيامها في دفء شراعها. لم تنته بعد قصه تلك الفتاه التي تعلقت بحلم الالتحاق بالطب.. والذي كلفها غربةً من نوع آخر.. غربةٌ على تراب الوطن.. نعم فقد كانت غربة فقدان أحضان الدفء الأبوية.. وامتدت السنون العجاف على أبطال القصة خمس سنين ليقضي الله أمرا كان مفعولا.. لا أبالغ إن قلت أن عقلي العشريني قد شاب شيبة الأربعين وبلغ أشُدَّه قبل أوانه.

لا أنكر أن ثقل الأيام كان ضربا من ضروب التحدي لأجل البقاء.. أيام الهزال والمرض حيث لا يدا تمتد لتلامس جبينك لتخفف عنك بضع ذرات من الألم.. أيام وحدة لا أنيس فيها ولا جليس تشكو إليه بثك وحزنك.. أيام شوق يعتصر الفؤاد.. بل لحظات ندم كثيرة مرت أمامي مرات ومرات على فراق والدي لأجل الدراسة.. كم من لحظات تمنيت فيها بيع كل ما أملك مقابل نظرة إلى تقاسيم وجهيهما. ولكن يقيني الجازم أن النار تصنع الذهب.. وأن أيقونة العقل لن تكتمل حتى ترى من الظروف الأعاجيب.. على مشارف فصل جديد يوشك أن يبدأ.. فصل جديد بعد اجتماع الشمل في وطن أشعث أغبر.. في كل طيات العيش فيه يحمل تَحَدٍ جديد يضفي عليك المزيد.

أقف اليوم على ناصية الأمل تاركة ورائي جميل الذكرى وطيب المعشر مع قلوب بها تعلقت الروح وأسأل الله بها جمعا كما كنا من ذي قبل.. بعينين أصابهما قصر النظر وحباهما الله بصيرة نافذة تملك من اليقين ما يهون عليها كل ما هو قادم.. فلن يفيد البكاء على أطلال زمان مضى.. وهناك مستقبل ينتظر منا السقاية لجني الثمر. لعلكم أعزاءي تتساءلون لما كل هذه الأبعاد الفلسفية.. وهذا درب الكثيرين ممن أُجبروا على مقاساة ذات الحال.. وأنا بدوري أجيبهم أنه في طيات الثواني سنون أذهبت وأتت بالكثير.. تماما كرياح تنحت الصخر لنرى جبالا راسيات فيما بعد.. تستحق ان نكتبها لننظر اليها بعين الامتنان عندما نبلغ ما نصبو إليه.. فيا رباه طريقا مزهرا مكللا بزخات الأمل.