شهوات النفس.. كيف نخفف من سطوتها علينا؟

blogs عبادة

خلق الله تعالى الكون ثم خلق فيه الكائنات، وشاءت حكمته أن يميز أحد هذه الكائنات بالعقل والتكليف، فخلق الإنسان، ثم أرسل له الرسل ليبين له كيف يسير في الدنيا، فقال عز من قائل: "…فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا…"، فكان من ضمن الهدى الذي طُلب منا اتباعه استغلال الوقت أحسن استغلال، وملئِه بالعمل والاجتهاد، فكان بعدها حقًا على كل إنسان أن يعمل ويجتهد لكي يصل إلى مراد الله فيه، عبر تحقيق أهداف يستحق بها لقب خليفة الله في الأرض؛ "… إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً…".

ضمن سير الإنسان في هذه الرحلة، يرى أصناف المغريات والملهيات التي تستدعي استيقاظ الشهوات والنزعات عنده. فيجد نفسه في طريق أوله صحراء وهي حياته البسيطة، وآخره مدينة خضراء وهي حياته بعد بلوغ أهدافه وتحقيق الغاية من خلقه، وهذه الشهوات والنزعات هي أصدقاءه في الطريق أثناء الرحلة؛ إما أن يعينوه على بلوغ المقصِد والهدف، وأما أن يقيدوه ويكبلوه حتى يموت وسط الصحراء.

السؤال هنا: ماذا علينا أن نفعل لكي نبلغ أهدافنا ونحقق الهدف من خلقنا، ونخفِّف سطوة هذه الشهوات علينا؛ سطوتها بمعنى منعها إيانا من القيام بوظائفنا باستهلاك أوقاتنا، وطاقاتنا، وحيز التفكير لدينا، ماذا علينا أن نفعل؟ مثلًا، يطمح كل إنسان أن يحصل على مقام معين هو يريده في المجتمع، أو أن يحقق هدفًا معينًا، بغض النظر عن هذا المقام أو الهدف بالضبط. ومن أجل الوصول إلى هذا المقام وهذا الهدف، يعرف أن عليه أن يفكر بطريقة معينة، ويتخذ أساليب معينة، ويقوم بأفعال معينة أثناء عيشه، المُفترض أن تتحول مع الوقت من مجرد أساليب وأفعال إلى نظام حياة وأسلوب عيش. ولكن أثناء سيره في هذا الطريق، تعمل لديه هذه الأحاسيس -الشهوات- التي تتجاوب بسرعة مع مستقبلات الإثارة، كشهوة الطعام، وشهوة الكلام، وشهوة المال، وشهوة الجنس، وغيرها.

التميز والتفاضل بين الناس ليس بوجود الأهداف والغايات، فأكاد أجزم أن كل ابن آدم يضع لنفسه أهداف، هذا ليس أمرًا مُميزًا للإنسان

وفي الظاهر أن لا مشكلة فيها، فهي أمور طبيعية، أساسًا من غير القيام بها يندثر الإنسان، وهي أيضًا مُودعة فينا من قِبل نفس المصدر الذي كلفنا بوظائفنا ورسم لنا الطريق العام، ولكن المشكلة الحقيقية هي في أن نستخدمها بطريقة مخالفة للهدى الذي نزل؛ بحيث تصبح هي غايتنا، من حيث هي يجب أن تكون وسيلتنا، فبعدها يُخلق الغباش لدى الإنسان، وينسى الخطوط العريضة لحياته، أي أهدافه الأصلية، ويُصبح إرضاءها هي الوظيفة الأساسية لديه (من غير وعي وإدراك).

التميز والتفاضل بين الناس ليس بوجود الأهداف والغايات، فأكاد أجزم أن كل ابن آدم يضع لنفسه أهداف، بغض النظر عن طبيعتها وعن موافقتها للهدى الإلهي أو لا، هذا ليس أمرًا مُميزًا للإنسان. ولكن التميّز الحقيقي يكون بالقدرة على بلوغ هذه الأهداف فعلًا، والتميّز بتفادي الواقع، أي واقع؟ واقع أن أغلب الناس يحلمون ويضعون أهدافًا، ويموتون قبل تحقيقها، أو تغطي على أحلامهم وأهدافهم أغبرة إرضاء الشهوات الآنية فلا يعد لأهدافهم وجود إلّا تحت الركام.

هنا كل التحدي في التقليل من سطوتها علينا، واستهلاكها لأوقاتنا وطاقاتنا وحيز التفكير لدينا. هي شئنا أم أبينا موجودة، ولا يتم التخلص منها (أو من بعضها حتى) إلا إذا انتُزِعَ الجهاز العصبي مثلًا من الجسد، وهذا ما لا أحبِّذ على التفكير فيه. لكن القضية بكيفية التعامل مع واقع أنها موجودة في دواخلنا تحت ضوء الهدى المُنزل من خالقها.

عند إرادتنا لحل أي مشكلة، علينا الرجوع إلى الطرف الأساسي فيها. وفي حالتنا هذه، علينا أن نرجع إلى الله تعالى، فهو من خلقها بنا. يبقى بعد خلقه تعالى لنا، أن يقول لنا كيف سنتعامل معها خلال رحلة الحياة. بالطبع سنبوء بالفشل إذا أردنا أن نعرف كيفية التعامل معها عند المشرّعين الأرضيين، دعاة الحداثة والتحرر والانفتاح، من غير نظر في حقيقة ما يدعون إليه وموافقته للفطرة الإنسانية أو تناقضه معها. علينا أن نعود إلى أصل الأمر ومنشأه، إلى الله تعالى، كي نعرف كيف نسير.

ما المشكلة في الشهوات المودعة في الإنسان، شهوة الجنس، وشهوة القوة والسلطة، وشهوة الكلام، وشهوة المال، وشهوة الطعام والشراب، وشهوة الراحة والاسترخاء، الخ؟ قلب المشكلة يكمن في تحويلنا لهذه الشهوات من كونها وسائل إلى غايات، ينتهي عند إرضاءها العمل والجدّ في هذه الحياة. تحويلنا لهذه الشهوات من كونها وسائل لتحقيق الغاية من خلقنا، إلى غايات نطمح لإروائها وإسخاط ما سواها.

علينا إعطاء كل شيء حقه ومكانه ومقداره المناسب والذي يكون من خلاله رقي الإنسان. ومن يترك هذا النور المبين، ستكون نهايته الموت وسط الصحراء، وخسران الدنيا والآخرة
علينا إعطاء كل شيء حقه ومكانه ومقداره المناسب والذي يكون من خلاله رقي الإنسان. ومن يترك هذا النور المبين، ستكون نهايته الموت وسط الصحراء، وخسران الدنيا والآخرة
 

أثناء سيرنا في طريق تحقيق الهدف من خلقنا، وأهدافنا الشخصية أيضًا، يُدخلنا الله تعالى تحت هذا الاختبار، ليرى من يصمُد ويُكمل الطريق ويحقق الغاية من خلقه من خلال تنظيمها، ومن يغوص في وحولها حتى أنفه. يبقى على العاقِل أن يعرف كيف يجعلها أحد أسباب وصوله نحو تحقيق طموحه، أن يضبطها وينظمها، وألا يسمح لنفسه الميّالة لها أن تنغزه في كل ساعة: افعل كذا، اذهب هناك، الخ.. وطلباتها لن تنتهي إلا ببلوغ الأجل. وهذا مشاهد عند كل إنسان، فكل منا لو تذكَّر السبب الذي أعاقه في سنوات عمره الفائتة عن قطع شوط وتحقيق إنجازات أكثر من المحققة حاليًا، سيتذكر أنها نفسه، التي سعت في أوقات كثيرة لإرضاء هذه النزعات بغير مكانها الصحي والمناسب، مستنزفة للوقت والطاقة.

يقول أنس ابن مالك رضي الله عنه: جاء ثلاثة رهط إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادة النبي صلى الله عليه وسلم فلما أخبروا كأنهم تقالوها فقالوا وأين نحن من النبي صلى الله عليه وسلم قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر قال أحدهم أما أنا فإني أصلي الليل أبدا وقال آخر أنا أصوم الدهر ولا أفطر وقال آخر أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا فجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم فقال أنتم الذين قلتم كذا وكذا أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له لكني أصوم وأفطر وأصلي وأرقد وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني. فهذا نبي الله عليه الصلاة والسلام وقد وصل الغاية التي ما بعدها غاية في تحقيق الرضى الإلهي.

فليس المطلوب منا هو إطفاءها، فهذا أشبه ما يكون بمعجزة تغيير الجينوم البشري كاملًا، وتحويل الإنسان إلى خشبة لا تفعل شيء، ولا تتحرك لشيء، ولا تطمح لأن تفعل شيء. ولكن الأمر هو إعطاء كل شيء حقه ومكانه ومقداره المناسب والذي يكون من خلاله رقي الإنسان. ومن يترك هذا النور المبين، ويسعى في الدنيا سعي الحيوانات، ستكون نهايته الموت وسط الصحراء، وخسران الدنيا والآخرة. أما من تبدأ رحلته بطلب العلم، ومعرفة الطريق من خالق الطرق كلها، ومعرفة السبب وراء خلق الله تعالى له في هذا العالم، ومعرفة هنا تحديدًا ماذا يقدِّم له الكِتاب المنير بالنسبة للتعامل مع هذه النزعات، ومعرفة المهمات الكبرى التي كُلِّف بها، والرسالة التي حمل أمانة إيصالها، فيا لجمال حياته وآخرته.