من جزيرة العرب إلى ماليزيا (1).. في النهايات

في مقعد السيارة باتجاه المطار في الرحلة الأخيرة…على ذات الطريق الطويل الذي سلكناه في بداية التجربة والغربة الماليزية متجهين يومها للعاصمة.. مشهدٌ بديع من النخيل الزيتي المتشابه والمنتظم على جانبي الطريق كانتظام وتشابه الملامح والسلوك الجمعي الماليزي، ضبابٌ دخاني برائحة النخيل المحترق ورطوبةً مطرية خفيفة الحضور، وغيومٌ متراكبة تزيد في الأفق الواسع امتدادا وعرضا. دائما ما يكون الطريق الذي يتيح للعابرِ تنويعَ المشاهد والمناظر-بصعوده وهبوطه على المرتفعات التي يشقها- مصدرا من مصادر الإلهام والتأمل.

 

كان هذا العام طويلا على سرعة مضاءة.. هو العام الأخير لكاتب السلسلة في ماليزيا بما تحمله أواخر التجارب من معانٍ وتجليات. عندما تحدث محمد إقبال عن عرض العمر لا طوله وسأل الله أن يعطيه ذاك العرض والامتداد؛ أجده وضع حروفه البليغة على مكمن أسرار العمق في النظر للعمر والحياة.. العرض لا الطول، البركة لا الكثرة، النوع لا العدد، الكفاءة الانتاجية لا الكمية المُنتجة.. هي ما يطلبه أمثال أولئك الباقين في صحائف التاريخ وألسن الأحرار والأدباء.

كنتُ أرى بوضوح أن النهايات هي أعرض فترات الزمان في التأمل والاستفادة. ترى هنا -في نهايات الفترات والتجارب- الفاصلَ بين الوقت والزمان؛ الوقتُ الثابتُ مضيه بقوانين الفيزياء والحساب، والزمان الذي يرتبط بالانسان وعالمه الذهني طولا أو قصرا. ذاتُ الفاصل الذي يعيشه أسرى الظلم بانتظار نهايات الفرج حيث يطول زمانهم في تلك اللحظات، أو مرضى الموت المتوقع بانتظار لحظة التسليم وسرعة مضي الزمن عليهم.. كانت إذاً نهاية سريعة وعريضة في الزمان لأعوام طويلة في الوقت والحسابات.

النهايات حدٌ فاصل بين الذات ونزعاتها والبيئة وتأثيراتها.. النهايات محاكاة مصغرة للنهاية الكبرى وقت الموت
 

تكاثرت الأسئلة على الذهن هناك في ذاك الظرف.. وغابَ يطرح الأسئلة.. ما الذي تعنيه نهاية التجربة؟ وما خصوصيتها في مكان كهذا؟ ما المكسب والمغرم من التغرب هنا؟ كيف كانت الثقافة الماليزية مقارنة بالعربية؟ ما الذي يميز القوم ويعيبهم؟ وما الذي يميزنا ويعيبنا؟ لماذا لا نطيل المكوث في هذه البلاد بعد التعليم أو لماذا يمكث فيها بعضنا للأبد؟ ما الذي يجعل بعضنا ناقما عليها مستعجلا الخروج وبعضنا عاشقا لها ذائبا في طينها المطير وترابها الأحمر. ما عناصر التكامل والتنافر بيننا؟ ما الذي يحمله الذي هاجر من العربية جزيرة وثقافة ولغة للماليزية بذات عناصر المقارنة من تنظيرات؟ وما أنا في هذه القصة الطويلة عند نهايتها؟

تحاول هذه المقالات الإجابة على هذه التساؤلات وغيرها من منظور كاتبها، وتنظرُ للنهايات كأحد مراحل التجرد العالي عن الانفعال في التعبير والتوصيف..  وتطرح في نهاية تجربة الدراسة والمعيشة في أرض المالاويين (ماليزيا) التساؤلاتِ والإشكالات أكثر من طرحها للإجابات والحلول، وتحاول تحقيق التوازن في الرأي المطروح في مجمل السلسلة عند نهايتها لا في التدوينات المفرقة. وهي في النهاية تعبيراتٌ من الرأي الخالص والنبيه ؛ تثبيتا لذكرى تلك المرحلة ، وشكرا لكل فرد وجماد مر فيها بما رسخه في الذهن من دروس ، وفيها ما فيها من التعبير الثقيل عن الذات والأنا.

عودة للنهايات

النهايات تفصلك لوهلة عن الحاجة والجسد، تُريك نفسك روحا تفارق المادة تراقبها وتقيمها، تنظر من خلالها للمواقف السابقة على حقيقة حجمها، يصغرُ فيها تافه الأحداث السابقة ويعظم فيها الندم على الفرص الفائتة.. النهايات أصل العدالة في التوصيف والتجرد عن الانفعال، هي ما يقوي القيمة الضعيفة ويمتحن ثبات القوية. تذكرها الدائم مصدر التسامي الإنساني في السلوك، الاستغراق فيها غياب عن الواقع. النهايات حدٌ فاصل بين الذات ونزعاتها والبيئة وتأثيراتها.. النهايات محاكاة مصغرة للنهاية الكبرى وقت الموت.. فتح صاحب التدوينة مذكرته الصغيرة وهو على باب الطائرة الأخيرة وكتب:

أكثروا من النهايات،
أثخنوا جذر النبتة
راقبوا الحدّ بين أثر الذات وتأثير البيئة
 جربوا ترك كل شيء
لا يموتنَّ الحلمُ الأولُ فيكم..



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة