لمَ أم لمن تكتُب؟

لمَ الكتابة؟
بينَ الأسطرِ ندفنُ الكثيرَ من الكلام!
إنّي أحبَبتُ فتاة، لكن ليسَ ذاك الحُـبّ الذي ترونه في المسلسلات الغراميّة، أو الذي تقرؤونه في الشّعر والرّوايات الرّومانسية، أو ذاكَ الذي يُبـاعُ ويُشترى على قارعة الطّريق! لطالما سمعتُ هذه العباراتِ الأكثرَ استهلاكاً في مُجتمعي، والتي يريدُ المُتحدّث بها أن يبرهنَ عن مُخالفته للآخرين بحبّه الفذّ، الذي لن تجدَ له مثيلاً أو قلّ نظيره في الواقع المعيش، ويوهمَ فتاته أنّه الأجدر والأحقّ بها.

 

ولطالما استوقفتني هذه العبارات كذلك بالتّأمل فيها وطرح عدَّةِ تساؤلات؛ ما هوَ ذنبُ الممثّل الذي يجسّدُ دوره المنوط به على خشبة المسرح؟ مع العِلم أنّ كلّ حركاته وسكناته معلّقةٌ بسيناريو كتبه المخرج! وما ذنبُ الشّاعر الصّادق الذي نظمَ مشاعرهُ وأحاسيسه وشاركَ تجربته الإنسانية كي يستفيد منها المُتلقي، بل تستفيد منها الأمم.. وما ذنبُ الكـاتب كذلك الذي مكثَ عمراً كيْ يستشفَّ كوامنَ الحياة، وكنهَ الحبّ النقيّ وينثر كلماته المليئة بالأمل والتّفاؤل التي تزرعُ الحياة في النّفوس الميّتة، وحتّى النّفوس المتشائمة التي أنفت حالها!

 

فما ذنبُ هؤلاء يا تُرى؟ وما الدّاعي للتّنقيص والتّصغير بهم، ووضعهم موضعَ سخرية واستهزاء؟ أمّـا أنا يـا سيّدتي، فقد عشِقتُكِ عِشقاً صحيحاً صريحاً، وليسَ من الحِكمة أن أباهيكِ به؛ فكيفَ أن أُبـاهيكِ بمعاناتي وأحزاني، وما ذُقته في سبيلكِ من العذاب والآلام، وأنتِ أدرى بأنَّ النّعيم لا يُدركُ بالنّعيم، والحُـبّ لا يُدركُ إلا بالمعاناة.. والآنَ ليسَ لي دليلٌ أستدلُّ به على مـا أقول، سوى؛ هذا الحال الذي ترينني فيه! ولا أعلم هل عانى شعراؤنا وأدباؤنا -عليهم رحمةُ الله- مثل ما نعانيه نحنُ اليوم، وهل بلغت السخافة والسّذاجة بقرّائهم مبلغَ الحضيض وسألوهم: لمن تكتبون؟
كما هو شأن قرّائنا!
لمن أكتب؟
وحرفي ضريرٌ
لا يُبصرُ في عتمة غيـابك!

 

الكتـابةُ عنك مَـوْلاتـي تُخرجني عن عوالم البرزخ ونواميس الكون ومن بين براثن النّـأي والغيـاب إلى مـاء عينيك فـأعيش… الكتابةُ صبري الذي ألـوذ إليه..

إنّي لا أرى داعيا لإثارة هذا السّؤال، وطرحه للنّقاش والمراء، لأنَّ العـاقلَ يعرفُ أنَّ رسالةَ الأديب، رسالةَ الشّاعر.. ليستْ حِكراً على جماعةٍ ما أو طائفةٍ ما أو بيئةٍ ما.. ولا تعني عِرقاً دون آخر، فلا يرى حاجةً في تصنيفها، إذ السّؤال الوجيه الذي من الواجب أن يُطرح: لمَ تكتب؟ وليسَ لمن؟ هل تكتبُ من أجل الكتابة فقط، كي يُقال فلانٌ كـاتبٌ، شـاعرٌ، قـاصٌّ، روائيٌّ، مُفكِّرٌ..؟

 

انصرف.. فقد قيلَ.
أم تكتب لأنّك تجد راحتك في الرّسم بالقلم ؟؟
للتّرفيه!
أم لديك رسالةٌ هادفةٌ تريدُ أن تقرأها الأمة كي تحدثَ تغييرا في التّفكير وفي التّعامل…؟
إن كـانَ جوابكَ نعم، فمـاذا أنتجتَ لنا!
أما أنا فما كتبتُ ليُقال: كـاتبٌ.
ولكن لمّا رخُصَ شأنُ الكُـتّاب، وشأوُ الكتابة في وطني
أصبحتْ في قاموسي ضرباً من أضرب الضرورة
وفرضَ عينٍ على كلّ قـارئ وذي بصيرة.
لماذا تكتُب؟
أكتُبُ؛ كي لا تموتَ أصـابعي من شدّة البرد.
نكتبُ؛ كي لا يشيخَ الحُلمُ بداخلنا وتذبل الأعمار.
نكتُبُ ليتّسع الحزنُ ويسيل القلم.

  
 

نحنُ نختـارُ الكتـابةَ فقط عندما نريد الإبحار بمخيلتنا للانعتاق، فنستقلّ الأوراق مركباً، ونجدفُ بأقلامنا نحو العوالم الخفية لسبر أغوارها واكتشاف دررها.. فمن حسنات أقلامنا أنها صوتٌ لكلّ الناس الذين عجزوا عن البوح، وعن مصاحبة الأقلام ومضاجعة الكتب… إنّنا لا نكتبُ لنا أو لوقتنا الحاضر، بل نكتبُ لأجيال تعقبنا.. فنحن مؤرّخو المشاعر وإثنولوجيو الأحاسيس..!
 
كلُّ محاولاتي الصّادقة بـاءت بالفشل، وكلّما همَمْتُ أن أنظمَ لكِ الشِّعْرَ لحقني من وهجِ عينيكِ شرارةة الشّرود، فصيّرتْ تفاعيلي كلّها مكسورة حتى أزمعتُ أن أعتزلَ الشِّعْرَ وأعتكف في محرابي متّخذاً من النّثر ملاذاً أستعينُ به على خطوب الدّهر… فلغةُ السّرد بكلّ أجناسه ليست ذاتها لغة الشّعر، ولغة الشّعر العمودي الأصيل ليست كذلك لغة الشّعر الحديث وهكذا فلكلّ لغته وأسلوبه وطريقته.. والأحمق من يخلطُ بينهم.
  
لكنّني أريدُ أن أكتبكِ بكلّ اللّغات وبكلّ الأجنـاس والعبارات، وماذا سـأكتُبُ الآنَ ونسيمُ عطرك الفوّاح يُدغدغُ شذراتي كلّ لحظةٍ وحين، ويأخذني من عـالم الحقيقة إلى عـالم صخب الأوراق وضجيج الأقلام. سأبقى أكتبُ لكِ عزيزتي حتّى يفنى القلم وما يسطرون.. عندما أحملُ قلمي وأستهلّ الرّسمَ فيكِ بالكلمات على دفاتري، فكـأنَّ القلم يطوي هذه المسافات الطوال التي تفرِّق بيننا ويقرّبك إليّ.. فلا أكـادُ أرى في أوراقي إلا وجهكِ الذي يوحي إليَّ مردةَ القوافي.. إلا روحك التي تبعثُ فيَّ شيطنةَ الكَلِم… فالكتـابةُ عنك مَـوْلاتـي تُخرجني عن عوالم البرزخ ونواميس الكون ومن بين براثن النّـأي والغيـاب إلى مـاء عينيك فـأعيش.. الكتابةُ صبري الذي ألـوذ إليه… ولـي في طقوس الكتابة عبـادةٌ أتقرّبُ بها إلـى الله!
 
في حضرتكِـ سيّدتي يضيعُ منّي الكلام، وتتلاشـى الكلمـات، فلا أجيدُ إلا لغة النّظر، ولا أتقنُ إلا لغوَ الصّمت، هذا كلُّ مـا أستطيع فعله أمامكِ.. أمّا في غيابكِ تصبح آفتي العُظمى؛ هذا الشَّوقُ الجـارفُ الذي يجتــاحُ قلبيَ المُعنّى فيفتك به ويتركه عليلاً لا يقوى على شيء… فكلُّ شــاعرٍ وكلُّ كـاتبٍ وُلـدَ من رحم الأحزان، ونِتاجاتهم من الدّواوين والكتب تقول هذا، ومن قرأ لهم أو عنهم لا محالة يعرف هذا… وأنا أحذو حذوَ هؤلاء، أتجرّع من بعدهم كؤوس الوجع؛ أهرب من مواجهة الواقع لأدفن وجهي بين الأوراق علّني أشفي بهذه الكلمات جروحاً غـائرةً لن تشفها أدوية العالم.. والآنَ قلمي في يدي وكلُّ مـا أريده؛ كوبَ قهوة أرتشفه مع عينيك كي أكتُب!



حول هذه القصة

خرج الكاتب المغربي حسن أوريد من قبل السلطة بعد تجربة استثنائية بالدراسة والعمل، ودخل محراب الكتابة من باب التاريخ، فكتب في السرد والشعر والفكر، وترجم واشتغل بالإعلام وامتهن التدريس.

27/11/2017

الكتابة الأكاديمية، إحدى المهارات الأربعة الرئيسية التي يضمها اختبار الآيلتس، وهي المهارة الأصعب بالنسبة للعديد من الطلبة حول العالم.. إليك أفضل المصادر المتاحة التي ستساعدك على تحقيق درجة مرتفعة فيها.

18/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة