صراع الجبابرة.. تصفية الحسابات في سوريا

كنت طفلاً حين شاهدت صراع الجبابرة في فيلمٍ كرتوني يتصدره قادة أخيار وآخرين أشرار يدور بينهم صراع دائماً ما ينتهي بانتصار القادة الأخيار رغم قلة عددهم وعدتهم، ويحدث أن أكون شاباً لأشاهد بأم عيني صراعاً لجبابرة حقيقيين اتخذوا من سوريا ساحة لتصفية حساباتهم وتنفيذ أجنداتهم.
 
تثور الجماهير عادةً حين تصبح الدولة عاجزة عن تلبية احتياجات هذه الجماهير وغير مستوعبة لديناميتها وهذا ما حدث في سوريا منتصف مارس لسنة ألفين وأحد عشر حيث خرجت الجماهير إلى الساحات العامة تنادي بمطالب جوهرية من شأنها خلق حالة دستورية جديدة في البلاد وهذا ما لا تقبله الأنظمة الشمولية بطبيعة الحال فكان أن قرر الأسد وأجهزته الأمنية التصدي لتلك الجماهير بالنار والشرار لتدخل سوريا في خضم جوٍ مجددٍ للحياة السياسية التي طالما سعى الأسد لتعطيلها تعطيلاً يخدم تطلعاته في حكم سوريا أبد الدهر.
 
تعامل الأسد مع المظاهرات السلمية بمقاربة عسكرية خالصة وكأنه يواجه جيشاً نظامياً مجبراً في ذلك المتظاهرين على الدخول في معركة غير عادلة بالنظر إلى الفارق الكبير بين ترسانة الأسد النظامية وبين ما تمتلكه المعارضة من إمكانيات عسكرية متواضعة ومع ذلك فإن الكفة كانت تميل لصالح قوات المعارضة التي سيطرت على أراضي شاسعة وواسعة جعلت الأسد يحس بالخطر وبأن الأمور بدأت تخرج عن سيطرته فأسرع متصلاً بحليفه اللبناني حسن نصر الله ليؤسس باتصاله هذا بداية التدخل الخارجي في سوريا وبالفعل لم يتأخر نصر الله عن نصرة الأسد فأرسل مؤازرة عسكرية عاثت فساداً في الأرض السورية.

 

غياب المشروع العربي يُغيب العرب بشكل كامل عن سوريا ويجعلهم متفرجين بينما تحضر إسرائيل بقصفٍ متقطع ضد أهداف عسكرية للأسد ولإيران بين حينٍ وآخ

إلا أن قوات المعارضة أبدت همة عالية وحماس قتالي كبير أحرج نصر الله ودفع بالأسد لطلب النجدة من طهران المتغلغلة أصلاً داخل سوريا بنفوذٍ ثقافي يرتكز على نشر التشيع وآخر اقتصادي جعل من سوريا سوقاً تتنفس فيه إيران المحاصرة وبطلب النجدة العسكرية تكتمل اللوحة وتصبح سوريا محافظة إيرانية كما يشتهيها وجدان المسؤول الإيراني الذي بعث بجنرالاته وعناصره لحفظ المصالح والأحلام والطموحات الإيرانية على الأرض السورية وقد أذكى هذا التدخل العسكري الإيراني الاقتتال المذهبي وجلب معه ميليشيات كثيرة تصطف هنا وهناك حسب ما تمليه العقيدة ما جعل القتال ضارياً عنيفاً وواسعاً تلقت على إثره قوات المعارضة دعماً من عدة دول تضاهي مشروع إيران في سوريا والمنطقة عموماً وقد كان دعماً كبيراً بانت آثاره على الأرض وعلى بشار الأسد الذي قرر هذه المرة اللجوء للروس علَّهم يمنحونه طوق نجاة يخلصه من كابوس السقوط وقد كان الروس حاضرين مستعدين لحماية الأسد بترسانة عسكرية عريضة انتشرت على الأرض السورية أواخر سبتمبر لسنة ألفين وخمسة عشر وغيرت من موازين القوى باعتمادها سياسة الأرض المحروقة، وهو الآخر كان تدخلاً مغرياً للجهاديين الذين أتوا من كل حدب وصوب إلى سوريا للقتال.

  
 

الولايات المتحدة القوة الأعظم في هذا العالم لا ترى في سوريا استثماراً يستأهل صياغة تصور تتدخل من خلاله لتطبقه على الأرض وتنهي المأساة السورية لكن يبدو أن أوباما آنذاك نجح بتوظيف الصراع السوري واستفاد منه في مفاوضاته مع إيران بشأن البرنامج النووي ومن خلال الصراع أيضاً استطاع تفكيك الترسانة الكيماوية السورية هذا إلى جانب أن الصراع يستنزف قوى إقليمية كبرى نزلت بقضها وقضيضها إلى الساحة السورية الدامية وعلى هذا استمر أوباما يُسرف دبلوماسياً مع الدكتاتور الأسد حتى حان وقت رحيله لصالح ترمب الذي سرّع من وتيرة الحرب على الإرهاب في سوريا فبدأ معركته مع تنظيم الدولة في الرقة وأنهاها منتصراً وأكمل مسيطراً مع قوات سوريا الديمقراطية على كامل شرقي الفرات وأقام فيها قواعد عسكرية أميركية فيها عدة وعتاد ليبدو أنه يرى في سوريا مصلحة أميركية تتمثل بشقين الأول ضبط أنشطة إيران المزعزعة والغير مرغوب فيها والثاني الحفاظ على مكتسبات المعركة مع تنظيم الدولة وضمان عدم عودته.
 
يبقى أن نُعرِّج على الأتراك آخر نزلاء الساحة السورية بحصيلة عمليتين عسكريتين درع الفرات وغصن الزيتون أبعدوا من خلالهما وحدات حماية الشعب الكردية عن الشريط الحدودي السوري التركي ولا يخفى على أحد عدم ارتياح أنقرة للتحالف القائم بين الولايات المتحدة والأكراد إلا أن الأميركيون يحاولون دوماً إيصال رسائل تطمين للحليف التركي وبذات الوقت هم في حالة بحثٍ دائم عن تفاهمات مستقبلية بشأن الحدث السوري.
 
غياب المشروع العربي يُغيب العرب بشكل كامل عن سوريا ويجعلهم متفرجين بينما تحضر إسرائيل بقصفٍ متقطع ضد أهداف عسكرية للأسد ولإيران بين حينٍ وآخر، ومن جهة أخرى فإن غياب الإستراتيجية الأميركية في سوريا يدفع باتجاه تكريس واقع جيوسياسي ممثل بمناطق نفوذ يقيم فيها اللاعب الدولي إلى جانب حلفائه المحليين يقيمون كيانهم الخاص بهم في سيناريو فيدرالي فريد من نوعه وغير واضح المعالم.
 
الويلُ لبشار الأسد ما صنعت يداهُ بسوريا فأكبر المتشائمين من السوريين لم يكن يتوقع أن تؤول الأمور إلى ما آلت إليه من تدميرٍ مبين إلى قتلٍ وتهجير ثم تدويل لا زالت تعيشه سوريا بأقسى صوره، تدويلٌ نحّى أصحاب الشأن وجعلهم ضحايا حرب ومطايا دبلوماسية.



حول هذه القصة

ندد بشار الأسد خلال استقباله وفدا إيرانيا بتصعيد “العدوان” على سوريا، مؤكدا أن ذلك سيعزز التصميم على “القضاء على الإرهاب”، وذلك بعد هجوم صاروخي جديد استهدف عناصر إيرانيين بسوريا.

30/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة