الشيخ محمود شلتوت فى فتاواه (2)

"ولكنك تعلم أن الذين يسيغون الحرية ويذوقونها لا يحفظهم خلاف فى الرأى ولا يغيظهم إفتراق فى المذهب"
(طه حسين فى كتاب" مع أبى العلاء المعرى فى سجنه")
 
تولى الشيخ محمد مصطفى المراغي مشيخة الأزهر، وكتب مذكرته الشهيرة عن إصلاح الأزهر الشريف التي قال فيها: "يجب أن يدرس الفقه الإسلامي دراسة حرة خالية من التعصب لمذهبٍ، وأن تدرس قواعده مرتبطة بأصولها من الأدلة، وأن تكون الغاية من هذه الدراسة عدم المساس بالأحكام المنصوص عليها في الكتاب والسُّنة، والمجمع عليها، والنظر في الأحكام الاجتهادية لجعلها ملائمة للعصور والأمكنة والعرف وأمزجة الأمم المختلفة، ويجب أن تدرس الأديان ليقابل ما فيها من عقائد وعبادات وأحكام بما هو موجود في الدين الإسلامي، لنظهر للناس يسره وقدسيته وامتيازه عن غيره من مواطن الاختلاف، ويجب أن يدرس تاريخ الأديان وفِرَقها، وأسباب التفرق، وتاريخ الفرق الإسلامية على الخصوص وأسباب حدوثها".
 
حرَّكت مذكرة المراغي الثورة الكامنة في نفس الشيخ محمود شلتوت نحو التجديد، فأخذ منذ هذه اللحظة يُعِدّ العدة لأمور التجديد، ينادي به في كل موكب، ويصدع به في كل نادٍ وحديثٍ، ويرفع رايته كلما أتيحت له فرصة، فأخذ يتكلم في كل قضايا الفقه الإسلامي ويدلي فيها برأيه بما يتفق مع المذاهب الإسلامية ويقر به ضميره، ويطمئن إليه عقله وفكره.
 

أميل كل الميل إلى صدور الفتوى من الشيخ شلتوت، ولا أستغرب ذلك على الإطلاق؛ فالرجل عاش في أوساط علمية وفترة زمنية كان موضوع التقريب بين المذاهب يشغل كل رجال الفقه

يتردد الشيخ شلتوت في فتاواه بين ثلاثية (الدولة والمجتمع والفرد)، ينادي الدولة أن تؤدي واجبها في كل دور لها، ويحرص دائمًا على وحدة المجتمع وتماسكه من عوامل التشتت والتفرقة، يخاف شلتوت على حقوقه التي لا بد عنده من أن تُصان وتُحترم مهما كلَّفه ذلك من جهد ومشقة، وفي النهاية يحافظ شلتوت على شخصية الفرد من أن تكون أداة يتلاعب بها الفقهاء؛ بل دائمًا ما يصر على أن يُعْمِل الفرد عقله في كل ما يورد عليه من قضايا وآراء، وهي ثلاثية (الدولة والمجتمع والفرد) قلما يوازن بينها فقيه من الفقهاء دون أن يميل إلى أحدها على حساب الأخرى.

 
في حرص شلتوت على قيم المجتمع وتماسكه يورد لنا فتواه بجواز التعبد بمذهب الجعفرية، وهي قضية تورد دائمًا في إطار التقريب بين المذاهب الإسلامية، وطالما أحدثت هذه القضية خلافًا كبيرًا بين الأوساط العلمية، فقبلها البعض ورفضها آخرون؛ بل أكثر من ذلك في أن البعض شكَّك في صدورها من الشيخ محمود شلتوت، وممن ذهب هذا المذهب الدكتور يوسف القرضاوي، مؤكدًا أنه من المستحيل أن تصدر هذه الفتوى من الشيخ شلتوت، في حين يؤكدها الشيخ محمد الغزالي ويقول: إنها خطوة مهمة في سبيل التقريب بين المذاهب، ويندهش الدكتور علوي أمين، وهو عميد سابق لكلية أصول الدين بجامعة الأزهر الشريف، ممن يرفضون فتوى الشيخ، وهي فتوى ذائعة الصيت في الأوساط العلمية بجامعة الأزهر وموجودة ومُسَجَّلة بدفاتر الأزهر ومجلاته على حد تعبيره.
 
أميل كل الميل إلى صدور الفتوى من الشيخ شلتوت، ولا أستغرب ذلك على الإطلاق؛ فالرجل عاش في أوساط علمية وفترة زمنية كان موضوع التقريب بين المذاهب يشغل كل رجال الفقه، وكان هذا الموضوع حديث الساعة كما يقولون، تُعقد له المؤتمرات، وتؤلف له اللجان والمجلات، وطبيعي جدًّا أن يدلي فيه الشيخ شلتوت بدلوه، وهو رجل تشرئب له الأعناق في كل فتوى من الفتاوى، والرجل دائمًا -كما قلنا وقررنا- لا يتكلم في أيّ قضية كلامًا عاديًّا؛ بل تنزع روحه إلى التجديد، فكان ولا محالة أن يقول فتواه في هذا الموضوع كما صدر منه.
 
يقول الشيخ في فتواه: إن الإسلام لا يوجب على أحد من أتباعه اتباع مذهب معين بل نقول: إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أيّ مذهب من المذاهب المنقولة نقلًا صحيحًا، والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبًا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره أيّ مذهب كان ولا حرج عليه في شيء من ذلك. إن مذهب الجعفرية المعروف بمذهب الشيعة الإمامية الاثني عشرية مذهب يجوز التعبد به شرعًا كسائر مذاهب أهل السُّنة، فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب معينة، فما كان دين الله وما كانت شريعته بتابعة لمذهبٍ أو مقصورةً على مذهبٍ، فالكل مجتهدون مقبولون عند الله تعالى، يجوز لمن ليس أهلًا للنظر والاجتهاد تقليدهم والعمل بما يقررونه في فقههم، ولا فرق ذلك بين العبادات والمعاملات. 
  
 
يخاف الشيخ شلتوت على بِنية نظام مجتمعه كما حرص عليها الإسلام، يحترم هذا النظام كما قرره الإسلام، وأيّ ميل عن هذا النظام يرفضه الشيخ شلتوت؛ بل ويقف له خصمًا عنيدًا يفتت قواعده وينقد أصوله، فيقول -رحمه الله- في زواج المتعة: إن القرآن قد ربط بعنوان الزوجية أحكامًا كثيرة كالتوارث، وثبوت النسب، والنفقة، والطلاق، والعدة، والإيلاء، والظهار، واللعان، وحرمة التزوج بالخامسة، وغير ذلك مما يعرفه الناس جميعًا، ليس شيء من هذه الأحكام بثابتٍ فيما يُعرف بزواج المتعة.
 
إذن فالزواج عند شلتوت نظام كما أقره الإسلام، وليس مجرد عقد ومتعة، نظام يترتب عليه تنظيم بنية المجتمع والحفاظ عليه، وبدون أن يضيع حق أيّ فرد من الأفراد. ثم يكمل الشيخ شلتوت فتواه ويقول: نعم ثبت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- أباح زواج المتعة للمحاربين في بعض الغزوات، وثبت بما لا شك فيه أنه نهى عنه نهيًا عامًّا وحرَّمه تحريمًا مؤبدًا، ونهى عنه عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- أمام جمع من الصحابة وأقروه -رضي الله عنهم- على ذلك، ثم يختم شلتوت فتواه بأن الترخيص في زواج المتعة لم يخرج عن أن يكون ترخيصًا بأخف المُحَرَّمَيْن في أوقات الضرورة، وحداثة عهد الناس بالإسلام، ومثل هذا الترخيص لا يصلح أن يكون دليلًا على المشروعية.
 
وإن الشريعة التي تبيح للمرأة أن تتزوج في السنة الواحدة أحد عشر رجلًا، وتبيح للرجل أن يتزوج كل يوم ما تَمَكَّنَ من النساء، دون أن تُحَمِّلَهُ شيئًا من تبعات الزواج، لا يمكن أن تكون شريعة الله، ولا أن تكون شريعة العفاف والإحصان.
 
ثمة جزء من فتاوى الشيخ شلتوت كان مبعثه التجديد المحض، والنظر العميق في كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم-، ولقد لاقت هذه الفتاوى صدى واسعًا، وقوبلت بمعارضة شديدة من وجوه العلماء، فأعْنَفَ البعض في الرد على الشيخ، ورد عليه آخرون في حِلمٍ وتُؤَدة. من مثل هذه الفتاوى فتواه في رفع عيسى -عليه السلام-، وكلامه في شخصية الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفتواه في المصارف المالية وغيرها.


حول هذه القصة

مفتي مصر السابق. اشتهر بفتاويه المثيرة للجدل وبوقوفه إلى جانب مبارك وضد ثورة 25 يناير، وبدعمه لمظاهرة 30 يونيو، وللانقلاب الذي قاده السيسي حيث دعاه إلى ضرب “الإخوان” باعتبارهم “خوارج”.

5/8/2016
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة