الشيخ سعيد رمضان البوطي.. غزالي العصر

لقد رأيت ابن تيمية الحراني ينتقد الإمام الغزالي وينكر عليه آراءه ووجهاته النظرية في الفلسفة والدين ثم رأيت الكاتبة الأردنية إحسان الفقيه تسطر قلمها بمقارنة الشيخ يوسف القرضاوي وتصفه بابن تيمية العصر مع أن يوسف القرضاوي يعد من أبرز العلماء المعاصرين الذين تطاولوا على سعيد رمضان البوطي خاصة في منهجيته وموقفه في الأزمة السورية، ومع ذلك لم يمض وقت طويل من نشر تدوينتي للمرة الثانية عن الشيخ الشهيد البوطي حتى تكالبت علي التعليقات الجامحة، إضافة فإن هذه انعكاسات من أطل من نافذة صغيرة إلى رجل موسوعي متشعب دافع السنة وحماها من مكايد العداء، ووقف في حراستها ليل نهار حتى سقط شهيدا وقلبه ينبض بالإيمان، وحياته باقية متخلدة تستنير منها الأجيال وتتحصن لأجلها معاقل الدين، تحكيها الكتب والرسائل والدروس التي ترددت أصداءها بين المنبر الأموي ومحراب مسجد الإيمان حينا وآخر، والورقات التي أبت أن تحترق وأن تذوب في ورطات الحقد والضغينة، إنه البوطي الذي نشأ وسار على مطية العلم والدعوة رغم قصف الانتقادات التي استهدفته بلا هوادة، وتولى زعامتها بعض من المتقولين الإسلاميين المتمسلفين، والذين استمدوا طاقتهم من تسييس الإسلام والحالة الجرحة التي تعرضت لها الأمة لزمن طويل.

 

وظل البوطي منافحا عن التيارات الغربية التي تسللت من كل الشقوق والنوافذ الناجمة من سقوطط الخلافة الإسلامية الجامعة فانبهرت فيها ضعفاء العلماء وحاولوا في مزج الغربية المسيحية المتهودة بحلة الإسلام داعين إلى تحديث الدين وإقامته من جديد، مع أن السر الكمين وراءهم كان التحرر من ربقة المذهب والتهرب من جذرة الدين وسطوة التراث والتساهل في فتح باب الاجتهاد على مصراعيه والتشبث ب" وهم رجال ونحن رجال"، فقد رصفت هذه الحالات الطارئة لبزوغ نجم متألق اسمه البوطي، فعلى مدى فعالياته الجليلة ونشاطاته الدينية التي عمت الفضائيات والمنابر لتسع عقود بناءة حافلة بتحركات العلم والوعي القرآني، تلمع خلالها درجة شديدة الشبه بمجدد القرن الخامس من الهجرة حجة الإسلام أبي حامد محمد الغزالي، الشخصية التي عمرت حياته القصيرة بمئات من الرسائل والكتب، والتي عصمت الأمة الإسلامية من سيلات الفلسفات الإغريقية المشعة، حتى تم القضاء عليها والدفن في دارها بمجهوداته القيمة ومعاييره التي ميز بها السراب والشراب، والبدعة والسنة، وفصل أوهام هذه الفلسفة الجوفاء عن الحقائق الغضة حتى أصبح الدين وطيدة الأركان، فإنه الذي أحيى علوم الدين وعنونها وفصلها من جديد بل وأنقذها من أساطير المعتزلة المتعرية من أصالة التعبد والمتأثرة بسفسطات المتفلسفة.

 

التقى البوطي بالغزالي من وراء الأزمان، وتحاوروا وشاطروا قضايا الأمة الإسلامية، لأن الدنيا لا تحدث ولا تتجدد إلا كان لها نظير في التاريخ

وكانت فترته فترة المد الشيعي الرافضي المتطرف بينما نشطت التحركات السنية بتأسيس المدرسةة النظامية التي من أهم أهدافها كان الهيمنة على هذا المد الإسماعيلي، وقامت هذه المدرسة شامخة بصدارة الغزالي ومحاضراته التي دحرت مشروع الشيعة والباطنية الإسماعيلية، وتستهدف هذه الطوائف المتمرقة من الدين عقيدة الأمة متمثلة في الكتاب والسنة، وتحاول تشويه رموز الأمة وتراثها، وزماننا هذا لم يتبطأ في معانقة أمثال هذه الطوائف والفئات التي معناها روح الباطنية والخارجية، لكنه مع علو كعبه وطول يده في الفنون الإسلامية لم يتفلت من أنياب الحقدة ومخالب التجسس والدس في كتبه، بل اشرأبت إليه أعناق الحسد وتعرضوا له فرية حتى احترقت كتبه في ربوع الإسلام بينما ألقت ضوء ساطعا يهدي الأجيال من العتمة إلى نور المعرفة والحكمة ويسقيهم رحيق الفيضانات الربانية، فأما البوطي رحمه الله عاصر فترة تتناحر فيها أحزاب إسلامية شتى وأفكار متمردة نبشت من أطياف الزندقة والإلحاد والتكفير، فوضع على عاتقه مسؤولية تحوير الأمة الإسلامية من هذه النزعات الصارخة نحو مبادئ أصلية، وتشهد له الزاوية الغزالية في المسجد الأموي الشامخ لما قام من محاضرات ودروس علمية بثت منها تداعيات وطموحات للشباب المتوهين في ضباب كثيف أخرجه التيار الغربي.

 

البوطي ولقاءه بروح الغزالي

لقد كان البوطي ظاهرة فقهية أصولية، راوية السلف والأئمة الكبار لكنه مع تعمقه وترسخ قلمه في المسائل العصرية والآراء الفقهية تجنب بصماته الشخصية فيها بل تمركز في نقل آراء الأئمة وعرض أفكارهم ودعمها ضمن مؤلفاته كما أكد الشيخ نفسه عن هذا الموقف الفريد، مع أنه عاصر علماء وجهوا إليهم بوصلة الاجتهاد والرأي الحر وعايش فترة حاسمة في مصائر الفقه الإسلامي، بل كان مقصده الرئيسي حماية التعريفات الإسلامية الأصيلة من تدخلات أجنبية سلطت عليها الآراء الغربية والاستشراقية كما أوضح الشيخ واضحا في كتابه "الجهاد كيف نفهمه ونمارسه".

 

وأعلن في خطبته في أواخر القرن العشرين بتحركات دسيسة تدب إلى وضع صور مزيفة للقضاء على الجهاد الإسلامي المقدس، حتى تورط في ورطة كبيرة نصبها السلفية والإسلامييون الذين اعتقدوا بضرورة السلاح والسيف بدلا من التعاطف والتصبر ، وأصبح نتاج فكرته الفريدة المتحدية لأحلام المتطرفة مثار جدل ونقاش مفتوح في كل الأوساط العلمية والمنصات الإعلامية، لكن الشيخ البوطي لم يستسلم لهذه الضغطات الهائلة ولم يقلق من تلك المفاجأت التي تعرض لها الشيخ في حين وآخر، بل تصلب في موقفه حتى خيب آمال المتربصين بالسوء، ومثل فيه روح الغزالي الذي صدع بالحق في فحوى العلم الحقيقي حتى أبدى عبر كتابه سوءات العلماء الذين تاجروا بعلومهم، لا سيما في دفاعه عن الأشاعرة حين خرج بعض من متلقفي فكرة الاستعمارية الاستشراقية الاستقلالية قائلا بأن الأشعرية فرقة اخترعها الإمام الأشعري في زمن من الأزمان وهي خارجة من دائرة أهل السنة والجماعة، وسعى في إثبات فريته التاريخية بطرق هزيلة وأساليب ملتوية.

  
 

وهذا الشيخ الذي خرجته كلية الشريعة وأصول الدين من جامعة الأزهر الشريف رسخ مداده في أصول الدين والفلسفات الإسلامية، بل كانت أيام دراسته في الأزهر فترة جهد كبير في سبر أغوار الأفكار المتشتتة، وفي بناء صرح محصن للإسلام، وتجلت في مراحل حياته سمات العلم والحب الخالص للفنون الدينية، ولعله تحمل على عاتقة ذمة العلم الكبيرة تحقيقا لوصية ومعاهدة أبيه الحنون ملا رمضان البوطي حين شجعه لكي يكون وارثا في علمه ودعوته، وكما كان الغزالي مر بأشواط شتى في حياته العلمية، لقد كان أصوليا وفقيها ومناظرا وصوفيا، وكذلك تقلبت حياة البوطي، وكان له ذوق كبير في منهل الأدب العربي لحد أن ترجم رواية كردية إلى العربية باسم مموزين، وقد تأثر فيه فريق من الأدباء السلف والخلف، فيهم الجاحظ والمعري ومصطفى صادق الرافعي الذي يمتاز بسبكه الخاص وإيقاعاته الشيقة الممتزجة بالعاطفية، وفوق ذلك كان الشيخ حسن حبنكة ممن حفر في قلبه روح الإخلاص والتفاني في درب الحق والدين، وكان له حظ وافر في توجيه مسيرته العلمية والفكرية.
 
لقد التقى البوطي بالغزالي من وراء الأزمان، وتحاوروا وشاطروا قضايا الأمة الإسلامية، لأن الدنيا لا تحدث ولا تتجدد إلا كان لها نظير في التاريخ، لقد شنت المغول غارة كاسحة دمرت المدن والمآثر، لكن الدين بقي وبعث من تحت الأنقاض وانتهض، وتسربت الفكرة المعتزلة في عروق الأمة وكادت تبيد وتدمر كل خيراتها لكن الأئمة وقفوا في وجهها وحاربوها بشدة حتى عاد الدين إلى روافده.
 
وقد شارك البوطي مع الغزالي نقطة الانتقاد حيث وجه إليهم بعض من العلماء المعاصرين انتقادات عنيفة وهجمات ضارية في شأن الثورة وطبعهم بدوافع التخلف الحضاري والبدعة والنفاق، لأن البوطي أدى دوره العلمي الواجب لأجل شعبه حيث أمرهم بعدم الخروج على السلطان وأنذرهم بأن الباب الذي تفتحونه باسم الحرية يتجه إلى المنحدرات الشائكة، في عمقها الأعداء منتظرون بشبكات لا مفر منها، فالغزالي رحمه الله أيضا أقيم في منصة المتهمين لتخلف الأمة في مواكبة العصر وقوقعتهم في الزاوية الصوفية مع أنه كان يسير مع علمه وإصلاحه الذي نشر ضوء لامعا في قلوب العوام حتى تسنى للملوك والسلاطين الاستفادة من هذه البيئة المجهزة والبنية الإسلامية.

 

ويلاحظ هنا بأن الشيخ عبد القادر الجيلاني الذي يدعو له ابن تيمية عند ذكره تأثر بالفكرة الغزالية التي دفعته لبناء المدارس الإصلاحية وتصفية الأدران الاجتماعية خلال دعوته السلمية، وكما أشار إليه أمير البيان شكيب أرسلان في كتابه الرائع "لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم" بأن المشاريع الإصلاحية التي نفذها الجيلاني كانت أشد وقعا من السلاح، ومن تلك الأجواء التي استنشقت منها فيحات الإيمان انبثقت روح الإسلام صافية شفافة، واسترد الدين قوته وسدد معصمه على الكفار والصليبيين، وفي نهاية المطاف أذكر تلك القولة المشهورة التي جاءت كردة فعل من البوطي حين اتصل به خبر إحراق كتبه في مسجد.." وأنا أقول بقلبي ولساني يوم واحد من أيام الغزالي يساوي أيامي كلها".



حول هذه القصة

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة