الإتحاد العام التونسي للشغل.. القوة الناعمة

شهدت تونس في الأيام الأخيرة أزمة تعليمية كبيرة أدت إلى مواجهة بين الأساتذة وهيكلهم النقابي المتمثل في الجامعة العامة للتعليم الثانوي من جهة ووزارة التربية من جهة أخرى، أدى هذا الصدام إلى دخول الأساتذة في إضراب مفتوح ومغادرة الفصول في سابقة أولى من نوعها.

  

الجامعة العامة أو النقابة كما يتداول ذكرها هي هيكل ينتمي إداريا إلى المنظمة الأم التي تعرف بالاتحاد العام التونسي للشغل، منظمة نقابية لها بعد تاريخي كبير والعديد من الصولات والجولات قبل وبعد استقلال تونس .يعتبر الاتحاد العام التونسي للشغل من أقوى المنظمات النقابية المدافعة على الشغالين على المستوى العربي والدولي أيضا. ظل العامل البسيط على مر التاريخ الحلقة الأضعف في مواجهة الأنظمة الرأسمالية المتوحشة إلى غاية اندلاع الثورة البوليشفية وهدمها لهذه النظرية والدعوة لنظام اشتراكي ترتفع فيه قيمة العامل وتأمم الثروات الوطنية وتقسيمها تقسيم عادل بين جميع المواطنين.

 

حصل المحظور وصار الصدام المباشر مع السلطة يوم الخميس 26 (جانفي/ يناير) 1978 والذي خلدته الذاكرة الوطنية بعنوان الخميس الأسود واليوم الدموي

كان لانتصار الشيوعية في روسيا الصدى والأثر الإيجابي والمرجع لعمال العالم لمواجهة القوى الرأسمالية والاستعمارية حتى بعد قرن من الزمن. في مواجهة الاستعمار الفرنسي والناهب للثروات الباطنية بتونس المستخرجة بأيادي تونسية، ظهرت العديد من المحاولات لتأسيس هيكل مدافع عن عمال تونس من جهة ومن جهة ثانية المساهمة في تحرير البلاد من براثن الاستعمار، إلا أن بعض هذه المحاولات باءت بالفشل ومنها الفشل في تأسيس جامعة عموم العملة التونسية. ولأن النجاح أوله فشل تمكن الزعيم النقابي فرحات حشاد صاحب المقولة الشهيرة "أحبك يا شعب" والذي اغتالته العصابة الإجرامية الملقبة باليد الحمراء الاستعمارية يوم 5 كانون الأول من سنة 1952 من تأسيس الاتحاد العام التونسي صحبة رفيق دربه محمد الفاضل بن عاشور يوم 20 يونيو من سنة 1946 لتبدأ صفحة جديدة من النضال المتواصل في سبيل تونس حرة ومن أجل الحفاظ على كرامة المواطن التونسي.

  

تميز الاتحاد بالقوة ويمكن أن نطلق عليها مصطلح القوة الناعمة منذ تأسيسه ووقوفه في وجه العواصف التي تهب عليه من كل الاتجاهات، لذلك ظلت المنظمة النقابية الوحيدة بعد الاستقلال رغم محاولات تأسيس منظمات موازية له باءت كلها بالفشل .يستمد الاتحاد العام التونسي للشغل قوته من 500.000 منخرط حسب أخر إحصائية لسنة 2017، رقم يصعب لأي منظمة أخرى أو حزب سياسي من بلوغه. رغم صبغته النقابية والاجتماعية إلا أن الشأن السياسي لم يغفل عنه الاتحاد منذ تأسيسه، فأثناء الصراع البورقيبي اليوسفي ومعركة الزعامة اصطفى الاتحاد بجميع هياكله الإدارية إلى جانب المعسكر البورقيبي بالإضافة إلى مساندته للحركة الوطنية في معركة التحرير مجيشا منظوريه وداعيا لهم بالقيام بالإضرابات من أجل القضايا الوطنية المقدسة.

 

إثر استقلال تونس وإيمانا منه بحاجة تونس للوحدة والتكامل من أجل تونس لم تتردد قيادات الاتحاد العام التونسي في الانخراط بالعمل السياسي والانضمام للحكومات ما بعد الاستقلال على سبيل الذكر ولا الحصر: مصطفى الفيلالي، عبد الله فرحات، الأمين الشابي ومحمود المسعدي. هذا الانخراط السياسي لم يمر مرور الكرام وقدم فرصة ذهبية للرئيس الحبيب بورقيبة من أجل السيطرة على منظمة قوية قد تكون شوكة في حلق النظام ومعارضة لسياساته الحكومية. لم يتردد بورقيبة من إظهار استبداده ورفضه للتعددية الحزبية والنقابية، فقام بإبعاد أمينه العام أحمد بن صالح سنة 1956 في مرة أولى وفي مرة ثانية عزل الحبيب عاشور سنة 1965 وتعويضه بالبشير بلاغة.

  

  

هذا التغول والهيمنة السياسية من طرف السلطة الحاكمة لم يثمر إلا المزيد من الاحتقان والكبت السياسي والاجتماعي في صلب المجتمع التونسي خاصة في ظل أزمات اقتصادية كانت تمر بها البلاد إلى أن بلغنا نهاية السبعينات أين تغيرت سياسة الاتحاد تجاه السلطة السياسي ليبين على قوته وقدرته على مواجهة نظام ديكتاتوري ويعبر على رفضه لسياسة النعامة والمهادنة انطلاقا من مرجعيته التاريخية ودوره لمناصرة العمال في شغلهم وحياتهم المعيشية.

 

حصل المحظور وصار الصدام المباشر مع السلطة يوم الخميس 26 (جانفي/ يناير) 1978 والذي خلدته الذاكرة الوطنية بعنوان الخميس الأسود واليوم الدموي، يوم قتل فيه النظام شعبه الباحث عن كرامته المسلوبة وقوته اليومي. انطلقت إذن لعبة القط والفأر بين نظام بورقيبة الشارف على نهايته وبين الاتحاد العام التونسي للشغل الذي بدأ باستعادة عافيته وكتابة صفحات مضيئة من النضال النقابي والسياسي ليتكرر الصدام بين الطرفين في جانفي 1984 بسبب غلاء الأسعار في تلك الفترة مع ترهل بورقيبة وضعفه أمام الأزمات والمؤامرات التي تحاك ضده.

 

تاريخ الاتحاد العام التونسي للشغل تاريخ طويل وحافل بالانتصارات والانكسارات لذلك ستكون هناك ورقة أخرى نكشف فيها على دور الاتحاد في عهد بن علي ودوره الكبير في الحياة السياسية ومساهماته في رسم الخارطة السياسية بتونس ما بعد الثورة.



حول هذه القصة

تباينت ردود الأفعال بشأن التحرك الذي قام به الاتحاد العام التونسي للشغل من أجل إعادة العلاقات مع النظام السوري حيث اعتبرها البعض خطوة بالاتجاه الصحيح، في حين اعترض آخرون بشدة.

3/8/2017

تعهد الاتحاد العام للشغل بالتصدي لخطط بيع شركات عامة وصفها بأنها خط أحمر، في وقت تخطط الحكومة التونسية للخصخصة بسبب تنامي عجز الموازنة وتفاقم الديون.

25/3/2018

وقّع الاتحاد العام للشغل واتحاد الصناعة والتجارة في تونس اتفاقا لزيادة رواتب نحو 1.5 مليون موظف في القطاع الخاص، وهو إجراء قد يخفف التوتر الاجتماعي ويهيئ مناخا ملائما لعودة الاستثمارات.

11/3/2017
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة