اعذروا صراحتي!

منذ أن بدأ شهر رمضان بالاقتراب، حتى انهالت الرسائل للتذكير باغتنام الحسنات، لنحسن الصيام بدون مُلْهِيات، ونتلوا القرآن فهو من أفضل الأعمال، ونذكر الله بِرَفْع الأَكُفَّ للدعوات، ونصلي في المساجد فهي من أعظم القُرُبات. ولكن ما تجاهله البعض منا متعمدين غير غافلين، هو الصفح والغفران والمسامحة ممن بينهم الخصومات والشحناء..! نعم "متعمدين غير غافلين..!" لأن الذي لم يتطرَّق للموضوع هو لديه من القطيعة حظ ونصيب، إما هو من تمت قطيعته من الأرحام..! أو هو من بدأ بالهَجْر وتَعَمَّد عدم ذكر الوِصال، فليس له الرغبة لإرجاع أوجاع وآهات، لأنه قد كُسِرَ ليس من غريب فهذا يهون، ولكن ممن افتداه بالقلب والعيون.

ولكني تذكرت الأمر العظيم الذي جاء عن النبي الكريم في قوله: (تُفتَحُ أبوابُ الجنَّةِ يومَ الاثنينِ والخميسِ فيُغفَرُ لكلِّ عبدٍ مُسلِمٍ لا يُشرِكُ باللهِ شيئًا إلَّا رجُلًا كانت بيْنَه وبيْنَ أخيه شحناءُ فيُقالُ: أنظِروا هذينِ حتَّى يصطلِحا). تم تفسيره بأن هذه الشحناء المؤدية إلى الخصام بين الأخوين هو الذي يسبب عدم المغفرة من الله..! وللاثنين..! ما لم يتصافا ويَرْجِعا إلى رُشْدهما، وإلاَّ يُطَبَّق عليهما قول النبي الحبيب: (كَم من صائمٍ ليسَ لهُ من صيامِهِ إلَّا الظَّمَأُ، وَكَم من قائمٍ ليسَ لهُ من قيامِهِ إلَّا السَّهرُ). فما فائدة عبادتنا وصيامنا لله إذاً بعد ما أخبرنا به الذي لا ينطق عن الهوى.

إذا كان الله ورسوله أَعْطونا إيَّاها صراحة… ليس له من صيامه إلا الظَّمأ وإهلاك الجسد والجوارح، والسهر في آخر الليل بلا فائدة تُرْتَجى! والمصيبة الأعظم أن في آخر الليل يأتي الله فيقول للعبد: (إنَّ اللهَ يُمْهِلُ. حتى إذا ذهب ثلثُ الليلِ نزل إلى السماءِ الدنيا. فيقول: هل من مستغفرٍ! هل من تائبٍ! هل من سائلٍ! هل من داعٍ! حتى ينفجِرَ الفجرُ). وهذا الشخص المُتخاصم والمُشاحن لن يكون له من نداء الله له في آخر الليل نصيب..! ولا لدعائه مُجيب..! ولا لغفران ذنب مُزيل..!

لننظر جميعاً إلى من أهملنا خلفنا، وعاش من أثر القطيعة في أسى وحزن وضنك وعذاب، وحسرة وغربة وقلق وخوف، لا أم تحن ولا أب يلين، ولا أخ يرق ولا أخت تشفق

فكيف لمن يريد اغتنام رمضان في قيام الليل ليستأنس مع خالقه فيرجوه ويبتهل ويطلب حاجته..! هل هو متيقن أن الله سوف يسمع منه..؟! هل يظن أن قطع الرحم والشحناء والبغضاء أمر بسيط قد يتجاوز عنه..؟! تأمل الجواب في قوله سبحانه على لسان نبيه صلوات الله وسلامه عليه، بعد أن فَرغَ من خَلْق الخَلْق: (خلقَ اللهُ عزَّ وجلَّ الخَلْقَ، فلمَّا فرغَ مِنْهُ قامَتِ الرَّحِمُ، فقال: مَهْ! قالتْ: هذا مَقَامُ العَائِذِ بِكَ مِنَ القَطِيعَةِ، قال ألا تَرْضَيْنَ أنْ أَصِلَ مَنْ وصَلَكِ وأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالتْ: بلى يا رَبِّ! قال: فذلكَ لكَ)..! يا إلهي كم أن هذا وقعه مخيف ومرعب على القلب والعقل والجوارح..! يا إلهي.. لا تجعلني ممن يقطعون رحمهم، وأَعِنِّي على وِصالَهم حتى لو هجروني، فلا أبتغي إلا رضاك ولقاء وجهك الكريم.

أليس لنا إذاً أن نُفكِّر ونتفكَّر بآيات الله، ونعقل ونتعقَّل ونأخذ ما قاله لنا الله ورسوله ونترك ما نَهَوْنا عنه؟! ألسنا نصوم في شهر رمضان المبارك حتى يكون لنا نصيب في قول رسوله الكريم: (من صام رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه ومن قام ليلةَ القدرِ إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر). كيف سيغفر الله لنا ما تقدم لنا من ذنب وما تأخر.. وفي نفس الوقت نريد الخصام والتشاحن والبغضاء..؟! أمر متناقد..! غريب..! وعجيب..! في أن نقبل الخصومة على المغفرة..! في أن نقبل التشاحن وكسب السيئات في الدنيا، على السلام وكسب الحسنات في الآخرة..!

دعوني أصارحكم بأمرا خطيراً وأرجو أن تعذروني على ذلك… هو من يطلب دائما أن يصل إلى مرتبة المتقين، ويسهر الليالي بالصلاة والدعاء، ويصوم الأيام ويزيد من الصدقات والطاعات، أقولها بصراحة مؤلمة.. لن تصل إلى مرتبة المتقين..! نعم، وأكررها مرة أخرى ولتكن موجعة.. لعل جُرعات ألم من كلماتي في الدنيا تنقذك من آلام الآخرة. فأقول، لن تصل إلى مرتبة المتقين..! إذا بقي في قلبك من الشحناء أو البغض أو الحسد أو الغل أو الحقد أو الضغينة فلن تكون بذلك متمتعاً بسلامة الصدر ليس لأن هذه الآفات لديك فقط أو بعضا منها، بل لأنك لا تسعى لإصلاح ذات البين من خصومة الأهل والأقارب أو حتى الغرباء. هذا ليس بكلامي، هذا كلام الله لك أنت..! اسمع قوله تعالى: (فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ).

وانظر في قوله عز وجل في أمر الطائفتين المقتتلتين من المؤمنين: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)، قال العلماء في تفسير ذلك.. أن الأخوة الإيمانية يجب أن تعلو وتبقى بدون خلاف ولا قطيعة حتى لو دار فيما بينهم الخلاف الشديد المؤدي إلى حد الاشتباك بالأسلحة..!. هل تعي ما قاله الله، فأنا إلى الآن أحاول أن أستجمع قواي وأستوعب ما قرأت عيناي وما كتبت يداي..!. يريد الأخ المسلم أن يقتل أخاه الآخر بسلاح بيده فيقضي عليه، أليس هذا أبلغ من الحقد والبغضاء الذي في داخلنا، أليس قتل المسلم أشد على الله من زوال الدنيا كما قال نبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه: (قتْلُ المسلمِ أعظمُ عند اللهِ من زوالِ الدنيا)، ومع ذلك قال تعالى أصلحوا بينهم..! أصلح بين من رفع السلاح عليك ليُريد قتلك..! ولكن لماذا الله يريد منا الإصلاح لهذه الدرجة؟! تابع معي…

فلننظر لمن يده ممتدة لمحاولة إمساك أحد ينقذه ويرأف بحاله، ولكن لا يجد من نصير ولا سَنَد ولا رحيم..!
 

قال صلى الله عليه وسلم: (لا يحل لمسلمٍ أن يهجُرَ أخاه فوقَ ثلاثٍ، فمن هجر فوقَ ثلاثٍ فمات؛ دخل النَّارَ)، أليست هذه كارثة بأن نستقبل نار جهنم بصدر رحب..؟! هل بعد ما سمعناه وقرأناه واستوعبناه، يأتي من يقول أريد أن أبقى صاحب الرأس الحديدي..؟! هل لدينا بعد قول الله ورسوله قول؟! أليس بعد هذا كله علينا أن نفكر مَلِياَّ فيما نفعل ونقول، أليس على المتاخصمين أن يتقوا الله في أنفسهم فيسمعوا ويحققوا مراده؟! أم تريد زيادة في القول فترى من هو أفضل المؤمنين ومكانك منهم؟ اسمع كلام محمد صلى الله عليه وسلم: (قيل: يا رسولَ اللهِ أيُّ النَّاسِ أفضلُ؟ قال: كلُّ مَخمومِ القلبِ صَدوقُ اللِّسانِ. قالوا: صَدوقُ اللِّسانِ نعرِفُه، فما مَخمومُ القلبِ؟ قال: هو التَّقيُّ النَّقيُّ لا إثمَ فيه ولا بَغيَ، ولا غِلَّ، ولا حسَدَ). أنظر الآن.. هل أنت أفضل الناس، أم أوسطهم أم أسوؤهم؟!

المُحَيِّر في الأمر أن العلاج بسيط! لتبدأ أبواب السماء باستقبال الدعوات والأعمال، وتبدأ رحمة الله في النزول على المتخاصمين، وهو في قول خير البشرية: (إنَّ أولى الناسِ باللهِ: من بدأ بالسلامِ)، ألا تحب أن تكون الأولى بالله..؟! أم تريدني أن أذكرك بعمرك الآن العشرون، الثلاثون، الأربعون، الخمسون أم الستون والسبعون؟ نعم لقد تعمدت التدرج في عدد السنين حتى نرى سوياً إلى متى سوف تبقى..! هل لك ضمان حياة بعد السبعين؟ أم لك ضمان حياة بعد دقيقة من الآن؟! هل تفضل الموت على مغفرة من الله ورحمة فتكون أنت السَّبَّاق بالسلام فتنال الفضل والخير ومرتبة التقوى قبل أخاك؟ أم تريد الموت على هذه الحال فتواجه من عصيت وتكبرت على أوامره سبحانه ونواهي رسوله! لك أن تختار في البقاء على تَعَنُّتِك ورباطة جأشك! أو لك أن تقبل العَوَض من الله في جنة لا عين رأت ولا أذن سمعت.

دعوني وإياكم نستغل هذا الشهر الفضيل، في أن نفتح قلوبنا ونصفي عقولنا ونحسن نوايانا مع خالقنا، ونبدأ صفحة بيضاء نقية، ونلغي وننسى كل ما كان وفات، ودعونا نكون كما هو حال هذا الصحابي الذي ليس له في زيادة صيام وصلاة في شيء، ولكن الله ورسوله بشروه في جنة عرضها السماوات والأرض لسلامة صدره من غش أو حسد، فيبيت وليس في قلبه ضغينة ولا كبيرة على أحد. لننظر جميعاً إلى من أهملنا خلفنا، وعاش من أثر القطيعة في أسى وحزن وضنك وعذاب، وحسرة وغربة وقلق وخوف، لا أم تحن ولا أب يلين، ولا أخ يرق ولا أخت تشفق، على من تُرِكَ وأُهْمِل في الظلمات، يصارع كوابيسه وخوفه وقهر قلبه..! ويده ممتدة لمحاولة إمساك أحد ينقذه ويرأف بحاله، ولكن لا يجد من نصير ولا سَنَد ولا رحيم..! لنأخذ العلاج ونبدأ الوصال، فلم يفت الفوات ما دامت الروح من الجسد مَبات.



حول هذه القصة

استـشهد ثلاثة شبان فلسطينيين مساء أمس بنيران قوات الاحتلال الإسرائيلي في حادثين منفصلين عند الشريط الحدودي مع قطاع غزة، وبرر جيش الاحتلال قتلهم بمحاولتهم مهاجمة جنوده أو اختراق السياج الأمني.

30/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة