أموات يحترفون القتل.. الحرب التي خسرتها البشرية

في المقال السابق "سرّ انتصار الكائن الأضعف".. عندما كنتُ أتحدَّثُ عن صراع الكائنات، وحربها التي لم تنتهِ بعد.. لم يكُن الأمرُ غريبًا.. فجميعُ الكائنات، حتى لو كانت صغيرة كالبكتيريا، تسعى للسيطرة في سبيل البقاء على قيد الحياة.. لا غريب في هذا.. لكن الغريب في الأمر أن تُحارب بعضُ الكائنات التي لا حياة لها، بحثًا عن لا شيء!! ليس هذا فقط، بل أيضًا تمتهنُ القتل الاحترافيّ المُمنهج!!
 
قبل أواخر القرن التاسع عشر، وقبل أن يكتشف (لويس باستور) البكتيريا.. استطاعت بعض الأوبئة القضاء على نسبة كبيرة من البشر.. حيثُ أنَّ وباء (الجُدري) فقط، قتل ما يُقارب من 500 مليون شخص حول العالم!! ووباء الطاعون استطاع الفتك بما يُقارب نصف سُكان أوروبا والشرق الأوسط وشبه الجزيرة العربية.. دون وجود تفسير علمي واضح لما يحدُث.. وعلى الرغم من قدرة بعض العلماء إيجاد حلول وعلاجات لهذه الأوبئة، إلا أنهم لم يستطيعوا معرفة السبب.. وكالعادة، اتجه كثيرٌ من الناس إلى الاعتقاد بأنّ تلك الأمراض هي غضبٌ من الربّ على الناس لابتعادهم عن الدين أو ما شابه..
 
بعد عام 1884، وبعد أن استطاع (باستور) اكتشاف البكتيريا.. ظنّ الجميعُ أن البكتيريا هي سببُ جميع الأمراض التي حدثت لهم.. كانت المُتَّهم الرئيسي في كل الأمراض التي لا تفسير لها.. كان هذا الأمر في البداية مُرضيًا كثيرًا للعُلماء، فمُجرَّد معرفة السبب وراء المُشكلة، يُسهلُ كثيرًا من إيجاد الحلّ لها.. لكن في الحقيقة باكتشاف باستور للبكتيريا، لم يكُن قد اكتشف إلا نصف الحقيقة فقط.. لم تكُن البكتيريا هي السبب الوحيد للأمراض.. لذا لم يكُن التخلُّص من البكتيريا هو نهاية الأمراض كما اعتقد الناس!!
 

في عام 1898، قام عالم الأحياء الدقيقة الهولندي "مارتينوس بيجيرينك" بإعادة تجربة محلول أوراق التبغ أكثر من مرة.. أصبح مُقتنعًا أن المحلول المُرشَّح يحتوي على عامل معدي.. وأطلق عليه "العامل الجرثومي الذائب

وفي أواخر القرن التاسع عشر، قام (باستور) بعمل بعض التجارب لمُلاحظة العامل المُسبب لداء الكلب، ظنًّا منه أن السبب وراءه كائنات بكتيرية.. وعلى الرغم من تمكُّنه من اكتشاف طريقة لعلاج هذا المرض، إلا أنه في النهاية لم يتمكَّن من معرفة السبب، وكان كلّ ما توصَّلَ إليه أن السبب يرجعُ إلى كائنات صغيرة جدًا لا يستطيع المجهر الكشف عنها!!

 
وفي نفس العام، قام العالم الفرنسي (شارل شمبرلند) باختراع مصفاة ذات مسامٍ أصغر من البكتيريا، يستطيع من خلالها تصفية البكتيريا من محلولها.. وعُرفت هذه المصفاة فيما بعد باسم (شمبرلند).. وفي عام 1892، قام العالم الروسي (ديمتري إيفانوفسكي) باستخدام تلك المصفاة لتمرير محلول أوراق التبغ المُصابة بفيروس (تبرقش التبغ).. لكنه لاحظ أن الأوراق تبقى مُصابةً حتى بعد تصفيتها بمصفاة البكتيريا!! مما يعني أن السبب ليس البكتيريا!! لكنه اقترح وقتها أن السبب قد يكون سمّ البكتيريا الذي قد بقى في المحلول بعد تصفيته.. لكنه لم يُواصل البحث..
 
وفي عام 1896، قال عالم الجراثيم (إرنست هانبوري هانكين) أن شيئًا في مياه نهر (الغانج) هو السبب في مرض (الكوليرا).. وأن هذا الشيء يمكن تمريره من خلال مِصفاة (شمبرلند) التي تزيل البكتيريا، مما يعني أنَّهُ ليس من البكتيريا!! لكنه لاحظ أنّ هذا الشيء له تأثيرٌ على المُستعمرات البكتيرية.. فعند إضافتهُ إلى أطباق زراعة البكتيريا تحوَّلت إلى بكتيريا مائية!! لكنه أيضًا لم يستطع تحديد هُوية تلك الأشياء..
 
وفي عام 1898، قام عالم الأحياء الدقيقة الهولندي (مارتينوس بيجيرينك) بإعادة تجربة محلول أوراق التبغ أكثر من مرة، وعلى الرغم أنه لم يستطع ملاحظة أي تغيير، إلا أنه أصبح مُقتنعًا أن المحلول المُرشَّح يحتوي على عامل معدي.. وأطلق على هذا العامل اسم (العامل الجرثومي الذائب).. حيثُ أكّد أن هذا العامل ذائبٌ داخل المحلول.. وكانت هذه الملاحظة هي بداية التعرُّف على الفيروسات، وإن كانت نظرية كونِهِ ذائبًا غير صحيحة.. بعد ذلك بعدَّة سنوات، قام العالمان (فريدريك لوفلر) و(بول فروش) بمحاولةٍ لاكتشاف سبب الحمى القلاعية، عن طريق تمرير أول فيروس حيواني من خلال مصفاة مماثلة..
 
في عام 1880، بدأت القوَّات الفرنسية محاولة بناء قناة تربطُ بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ.. وبالفعل بدأ العمل في بناء تلك القناة.. لكن سُرعان ما توقَّف الحفر نتيجةً لوفاة ما يزيد عن 21 ألف عامل.. نتيجةً لمرض الحمى الصفراء والملاريا.. اقترح الطبيب الكوبيّ (كارلوس فينلي) أن يكون البعوض هو سبب تلك الأمراض، لكن يبدو أن فكرته لم تلقّ القبول..
 
قبل أن يقوم العالم (والتر ريد) بإثبات نظرية الطبيب الكوبي في عام 1901.. وبالفعل، قامت الولايات المُتَّحدة بتبنِّي تلك الفكرة، وقاموا بتدمير مواطن تكاثر البعوض، فانخفضت نسبة المرض كثيرًا، ثم أعادوا بناء القناة مرَّةً أخرى، وعلى الرغم من وفاة 5600 عامل، إلا أنهم استطاعوا فتح قناة بنما في عام 1914.. كانت تلك الفكرة مُلهمة، على ما يبدوا أنَّ البعوض كان يحملُ سبب المرض، السبب الذي لا يزال مجهولًا!! استمرَّت الأمراض الجديدة في الظهور.. وكأنَّ الفيروسات تُحاولُ إيقاف هذا البحث الجارف وراءها.. ففي عام 1918، تزامُنًا مع نهاية الحرب العالمية الأولى، يبدأ مرض جديد في الانتشار، وسُرعان ما يتحوَّل إلى وباء قاتل، عُرف فيما بعد باسم (الإنفلونزا الإسبانية).. يقتُلُ هذا الوباء 75 مليون شخص حول العالم خلال 5 أعوام!!
   

صور انتشار الإنفلونزا الإسبانية في أحد المستشفيات 1918 (مواقع التواصل)

 
فحص الباحثون عينات من هذا الفيروس عام 1918 باستخدام ما يُعرف بالتصوير السيني البلوري، مما جعلهم يعرفون تركيب هذا الفيروس بشكل ثلاثي الأبعاد.. انتشرت الأبحاث حول العالم في مُحاولةٍ لفهم تلك الحقيقة التي أطلقها (لويس باستور) قديمًا.. الجميعُ يُريدُ معرفة حقيقة تلك الكائنات الصغيرة الفتَّاكة..

 
وفي عام 1928، كان لدى العالَم ما يكفي من الأبحاث لمعرفة هوية الفيروسات.. وبالفعل، تمَّ أخيرًا التعامل مع الفيروسات باعتبارها كائنات مُستقلَّة لها القُدرة على إصابة الخلايا، حيثُ استطاع بعضُ العُلماء رُؤية تلك الكائنات داخل الخلايا المُصابة.. لكن لِصِغر حجم الفيروسات، لم يتمكَّن أيًّا منهم من معرفة تفاصيلها..
 

الفيروسات هي كائنات غير حيَّة، لا يُمكنها استكمال دورةُ حياتها بمُفردها.. لن تتمكَّن من البقاء أو التضاعف دون وجود خلايا حيَّة.. هي ليست كائنات حيَّة، لا يُمكنُ تصنيفها كذلك.. فما الذي تُريدُهُ إذن؟!

وفي عام 1931، قام المهندسَين الألمانيَين (إرنست روسكا) و(ماكس نول) باختراع الميكروسكوب الإلكتروني.. الأمر الذي سمح للعُلماء برؤية الفيروسات بشكلٍ دقيق.. حيثُ تبيَّن أنَّ تركيب تلك الكائنات مُعقَّد للغاية.. وفي عام 1935، استطاع العالم (وندل ستانلي) رؤية التركيب الخارجي لفيروس (تبرقش التبغ)، والذي أوضح أنه يتكوَّن من غلاف بروتيني.. وفي عام 1939، استطاع (ستانلي) فصل مُحتويات الفيروس إلى بروتين وحمض نووي!!

 
توالت الأبحاث، واستمر البحثُ عن هذا الموضوع طويلًا.. واستطاع العُلماء مواجهة تلك الكائنات الغريبة، والتي كانت قد سبَّبت للبشريَّة رعبًا كبيرًا.. وبُذلت الكثيرُ من الجهود للقضاء على تلك الكائنات، لكن أيًّا منها لم يُجدِ نفعًا، لا شيء يستطيع القضاء على الفيروس داخل الجسم.. ولم يكُن أمامهم إلا أن يُحاولوا التخلُّص من الفيروسات قبل أن تُصيب الإنسان.. وبالفعل استطاعوا الحدَّ منها عن طريق الأمصال واكتشاف طُرق التعقيم التي تُوقفُ نشاط تلك الكائنات.. لم تكُن تلك النتائج مُرضية للعُلماء.. لكن ما توصَّلوا إليه لا يدعوا إلى القلق..
 
وفي عام 1981، ترصد وكالة مكافحة الأمراض الأمريكية خمس حالات من الأشخاص الشواذ جنسيًا مُصابون بالتهاب رئوي حاد.. ولم يكُن لدى الوكالة اسم لهذا المرض، فبدأوا باستخدام أسماء مثل.. اعتلال العقد الليمفاوية، أو GRID.. أو 4H.. وفي عام 1982، قررت الوكالة استخدام اسم AIDS.. مرض الإيدز الشهير.. هذا المرض الذي يُدمر جهاز المناعة، ويترك الإنسان عُرضة للإصابة بجميع الأمراض.. وفجأة وجدنا أنفسنا أمام مرض قاتل لا يُمكنُ السيطرة عليه.. على أغلب التقارير، فمنذُ عام 1981، أصيب أكثر من 78 مليون شخص بهذا المرض.. وتُقدر أعداد ضحايا الإيدز بحوالي 39 مليون شخص.. هذا المرض لا يُمكن ردعه.. لا يُمكن حتى السيطرة عليه.. حتى أصبح إيجاد حلٍّ لهذا المرض حلمٌ يُراودُ الكثيرين، بعضهم اقترح العلاج بالسحر، والبعض الآخر اقترح العلاج بالأعشاب، لكن الأكثر سخافةً كان تأكيدُ البعض بأنهم استطاعوا علاج بعض الحالات بـ (الكُفتة)..
 
وما زال البحثُ مُستمرًّا.. ربَّما تُصيب إحدى تلك التُرَّهات يومًا لتكشف حلٍّ للإيدز، أو ربَّما القضاء على الفيروسات جميعًا.. لكن السؤال الأهم.. ما الذي تُريدُه الفيروسات في هذه الحرب؟! فعندما تحدَّثنا سابقًا عن حرب البكتيريا، كنا نتحدَّثُ عن كائناتٍ حيَّة قديمة، تبحثُ عن تأمين بقائها.. لكن الفيروسات! هي كائنات غير حيَّة، لا يُمكنها استكمال دورةُ حياتها بمُفردها.. لن تتمكَّن من البقاء أو التضاعف دون وجود خلايا حيَّة.. هي ليست كائنات حيَّة، لا يُمكنُ تصنيفها كذلك.. فما الذي تُريدُهُ إذن؟! تكمُنُ قوَّة الفيروسات فقط في كونها مُجرَّد شفرات تعبثُ بنظام الخلايا.. فهل يُعقلُ أن تكون الفيروسات مُجرد أداة تستخدمها كائناتُ أخرى للقضاء علينا؟!


حول هذه القصة

النكاف هو مرض فيروسي معدٍ يؤدي إلى التهاب في الغدد اللعابية، وينتشر عبر اللعاب والمخاط من الفم والأنف والحلق من شخص لآخر، فما أعراضه؟

14/3/2018

أفادت دراسة ماليزية حديثة أن مزيجًا من عقارين لعلاج فيروس التهاب الكبد الوبائي “سي” أثبت أنه آمن وفعال ويحقق معدلات شفاء بلغت 96%.

13/4/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة