أفلا يتفكرون.. بين الروح والكون

مع نمط الحياة السريع اليوم كثيراً ما نشعر بالضيق وكأن أرواحنا تُسلب مِنا مع مرور الوقت، كثرةُ الأعمال والانشغال الدائم يعملان على خفض الحيوية بأجسامنا وأرواحِنا فنشعُر بالضيق والاضطراب بين واجباتنا وعدم رغبتِنا بأداء مزيد من الأعمال، نكون مشوشين لدرجة أننا نقوم بأعمال هامشية بُغيةَ تمضية الوقت لا أكثر مُحاولين التهرُب من أعمالنا لا بسبب كثرتها بل بسبب قلة الرغبة في أدائها ولا تفتر الرغبة إلا لأن أرواحنا باتت متعبه، وهكذا نجد أنّ البعض منا يؤدي عملة ولكن بلا إتقان.
 
ولكن يمكننا رؤية أنّ هُناك بعضُ منّا لا يُعانون من هذه المشكلة بنفس القدر الذي يُعانيه البعض الآخر، وهذا سببهُ أنهم يعرفون كيف يملؤون رصيدهم الروحي ليبقوا على قدر تحديات الحياة والعصر. ونجد أن بعض الأفراد لهم أسلوبهم الخاص في ملئ رصيدهم الروحي بالتأمل حيث يحفزون الوعي الداخلي للحصول على الاسترخاء مما يساعدهم على التفكير بشكل أنضج وعلى نحو إبداعي، ولكن التأمل يظل محصوراً في زاوية واحده تصفية الذهن في الوقت الذي نجد فيه أنّ هُنالك ما هو أسمى من التأمل ألا وهو التَفَكّر.

 

أفلا يتفكرون؟!

سؤال تعجبي استفهامي يحمِل السؤال والجواب في طياتة، هل جربت يوماً أن تجلِس وحدك وتتفكر، هذه الكلمة ليس ككلمة تُفكِر بل هي أعمق بكثير، فالتفكير يكون محصوراً على مسألة معينة يتعين عليك حلها إذا كانت مشكلة أوفهمها إذا كانت فِكرة، ولكن التَفَكُّر شيء مختلف تماماً فهو معنى تجريدي لممارسة التأمل ولكن بعمق أكثر، حيث تأخذ هذه الممارسة العقل والروح في رحلةٍ عبر الكون الفسيح بعيداً عن المشكلات الأرضية الصغيرةِ ضئيلة الحجم إلى تلك المُعجزات الكُبرى التي عن طريقها فقط تتفتح آفاق العقل.

 

يقول مصطفى محمود :"أنت في حاجةٍ إلى قراءة الفلسفة، الشعر والقصص في حاجةٍ إلى فتح ذهنك على الشرق والغرب ليحصل على التهوية الضرورية فلا يتعفن، وستفهم نفسك من خلال الناس الذين تقرأ لهم"

في ليلةٍ هادئة حالكة السواد غائبة القمر لامعة النجوم يمكنك أن ترى سحراً لا تراه في العادة فإذا بك تستلقي على ظهرك تاركاً الأرض وراءك هائماً بالكون تُفكر في عظيم صنعه وعظَمةِ خالقة، ستُحاول أن تَمُدّ بصرك قدر المستطاع لتحظى بأبعد مدى يمكنك الوصول إليه على مداد السماء لن تحظى بآخره ولكن تحظى بانجذاب عجيب بينك وبين السماء تُحس وكأنك كُنت منفصلاً عن جزء منك مُنذ فترةٍ بعيدة وها أنت تُجدد حِبال الوصل، تنسجم وتطلق لخيالك العنان وتسبحُ في ملكوت الله بلا لجام، تترامى التساؤلات إلى ذهنك واحدةً تلو الأخرى، وترى كم أنت صغيرُُ في هذا العالم الكبير وتصغُر في عينيك كل ملذات الأرض وتعظمُ السموات والأكوان، تُحِس وكأنك قد رُدِدْتَ إليك!
 
رِحلةُ من أنا؟
ولما أنا بالذات هُنا وليس غيري؟
وكيف لي أن أصنع بعد ما بات مُحتماً علىّ الوجود في هذا المكان؟
وهل ما أصنعه حتى الآن أنا على صواب فيه؟
وإن كان خطأً فأين الخطأ وكيف أُصححه؟

 

أنت حين تندمج مع هذا المشهد العظيم تكون قد تخطيت أسئلة الوجود، فأنت تؤمن أيما إيمان بالخالق ولكن تبقى تلك الأسئلة المتعلقة بالوجود في ذاته مطروحةً دائمة، فوجودي لأداء رسالة معينه لا تُشبه رسالتك وتلك الرسالة متصلة اتصال وثيق بذاتك وذاتك متصلةُُ بالكون، وعندما تخاطفتنا دوامةُ الحياة تُهنا عن أنفسنا وتشتتنا عن أداء رسالتِنا فكان لزاماً علينا أن نتذكر قولة جل في عُلاه "أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ".
 

يقول مصطفى محمود :"أنت في حاجةٍ إلى قراءة الفلسفة، الشعر والقصص في حاجةٍ إلى فتح ذهنك على الشرق والغرب ليحصل على التهوية الضرورية فلا يتعفن، وستفهم نفسك من خلال الناس الذين تقرأ لهم، وإذا فهمت نفسك فقد وضعت قدمك على بداية الطريق وعرفت من أين يكون المسير"، ومن هنا نربط الوصل بالأساس ألا وهي القراءة فأنت عندما تتفكر يزدحم عقلك بالأسئلة، وهي لا تتكون إلا لأنها تُريد إجابات وليست أي إجابات! فبعض الإجابات تجعلك تتخبط في ظلام لا صبح فيه، لذا كان لزاماً أن تقرأ وليس أي قراءة بل تلك التي تجعل عقلك منفتحاً على كل الحضارات والثقافات حيث تجد متنفساً أكثر للتفكير وألف جوابٍ وجواب وبين الحين والآخر تصفي ذهنك لبدء رحلة تأمل وتفكر جديده تجدد فيها الأسئلة لكن أكثر نُضجاً وأكثر عمقاً، تتخطى ماهية الذات إلى الموجودات ثم إلى أدق تفاصيلها، فهكذا وجدت العلوم والحضارات فنيوتن عندما سقطت التُفاحة على رأسه لم يكُن منشغلاً بالتفكير في إحدى مشكلاته الحياتية وإلا لوجد مُتنفساً لمشكلته بقضم التُفاحة، ولكنه كان منشغلاً بالوجود من حوله وأهداه الوجود جزءً منه أُطلق عليه اسم الجاذبية.



حول هذه القصة

مطلع فجر السبت قبل الماضي، توالت الرسائل تباعا على الهاتف المحمول للسيدة الفلسطينية إيناس حمودة (31 عاما)، يطمأن مرسلوها على أخبارها وزوجها.

2/5/2018
المزيد من المدونات
الأكثر قراءة