هل انتهت الحرب في سوريا؟

بالفعل، أعلن النظام السوري ومسؤولون روس وإيرانيون وقادة من "حزب الله" اللبناني وبعض الدبلوماسيون الأميركيون السابقون، أن الحرب في سوريا أصبحت منتهية، وأن بشار الأسد قد انتصر على المعارضة، وعلى الأخيرة أن ترضخ للواقع الجديد على الأرض. ولكن، من خلال دراسة متأنية للواقع السوري، يمكنك أن تستخلص ما يخالف هذه التصريحات، وأن الحرب في سوريا لم تنتهي، بل أن الفصول القادمة ستكون أقوى حتى تصل إلى نشوب حرب إقليمية على أقل تقدير.

بالمنظور العسكري، يمكن لجيش عسكري قوي أن يحقق انتصارات في الاجتياحات والتدمير وإلحاق الهزيمة بالعدو، ولكن الصعوبة تكمن في ضبط تلك المناطق ومن ثم تحويل الانتصار من عسكري إلى سياسي. وهذا ما أخفقت فيه كثير من الدول تاريخياً وحاضراً، وآخرها الإخفاق الأميركي في تحويل العراق نموذج لنظام "ديمقراطي"، على النسق الأميركي. واليوم يُعدّ العراق دولة فاشلة.

 

من الأهمية بمكان ملاحظة أن الجيش السوري استطاع أن يحقق انتصارات بفعل الدعم الروسي الإيراني الميلشياوي، ولكنه من ناحية العديد لقواته، فإنه غير قادر تماماً على السيطرة على المناطق التي "حرّرها" من أيدي المعارضين. فضلاً عن التأكيد على أن نسبة الأراضي التي استرجعها لا تتعدى نسبة 50% من إجمالي دولة سوريا.

 

الحرب هدأت بالفعل في سوريا، ولكنها لم تنتهي بالتأكيد. المنتصر الفعلي عسكرياً حتى الآن هو روسي إيراني. ورؤية كل منهما تختلف عن الآخر

الجيش السوري اليوم مرهق تماماً، وقد واجه صعوبة في تأكيد الانتصارات على عدة جبهات. فقد قامت داعش بعدة هجمات لاذعة في تدمر ودير الزور خلال هذا الشهر، مما يؤكد على أن الانتصار ليس ساحقاً بالفعل. وكذلك، تجدر الإشارة إلى أن حشد المقاتلين المعارضين في إدلب ودرعا له مدلول مهم استراتيجيا. فوجود المعارضة في إدلب يقابله وجود عسكري أميركي في الشمال الشرقي، ووجود قوات تركية أيضاً، مما يسبب إحراج للنظام السوري إذا أراد دخول تلك المنطقة. وأيضاً وجود المعارضة في درعا، المنطقة القريبة من مثلث الأردن سوريا فلسطين، مما يربك النظام السوري إذا أراد فتح تلك الجبهة، وقد صدر تصريح أميركي اليوم أن "درعا خط أحمر".

الجيش السوري حقيقة غير قادر على ضبط الأمن والاستقرار، فهو ليس وحده من يمسك بزمام الأمور. "حزب الله" اللبناني بقوات تتعدى ٧ ألاف مقاتل يدعمونه، وميليشيا عراقية أيضاً، وجيش من المرتزقة من جنسيات أفغانية وباكستانية، ودعم روسي إيراني؛ وإذا أراد النظام السوري أن يسترجع "حقه" في شرعية ضبط الأمن، بالتأكيد لن يقدر وحده على هذه المهمة، وسينكشف ضعفه أمام العالم. فضلاً عن وجود بعض الميليشيات والقبائل التي هادنت النظام السوري خلال المعارك ولكن بشروط، ومنها الميليشيات الكردية التي لا يستطيع النظام السوري أن يتكل عليها دائما؛ فولاؤها مشروط.

هناك أيضاً تحدي هو الأكبر للنظام السوري، الانقسام الداخلي والطائفي والمذهبي الذي يهدد أمن واستقرار البلاد في أي لحظة مجدداً. ولنا في المنطقة تاريخ حافل من "الفعل – ردة الفعل" جراء الحروب الطائفية والأهلية، كالعراق ولبنان واليمن والجزائر. وسوريا مهددة فعلاً بنقل هذه التجربة على أراضيها، وهي حالات متسلسلة من الحروب التي يفصل بينها فترات من التهدئة لا تدوم كثيراً. و"انتصار" النظام السوري المزعوم يشبه إلى حدّ كبير الانتصار الذي ادّعاه النظام العراقي بين ٢٠٠٧ و٢٠١١، ثم حدث أن أعلنت داعش دولتها!

وبنظرة شاملة على المنطقة في السنوات الماضية، تثبت أن الدولة المجاورة تستطيع ولو كانت ضعيفة أن تحبط مساعي دول قوية في تثبيت الأمن والاستقرار، فكيف إذا كانت ضعيفة وغير قادرة وفاشلة؟! طالبان مثلاً التي وجدت في باكستان منصة آمنة لها، استطاعت أن تحبط مساعي الولايات المتحدة بعد غزوها أفغانستان عام ٢٠٠١. وكذلك إيران وسوريا أحبطوا مساعيها في خلق نموذج عراقي وِفق معاييرهم، رغم التفوق الأميركي الكاسح. وفي حال اندلاع صراع جديد في أي دولة مجاورة، العراق على سبيل المثال، فإن تداعياتها وامتداد الصراع سيصل إلى سوريا بكل تأكيد.

من الأهمية بمكان، عدم إهمال تاريخ الصراعات والحروب في الشرق الأوسط أيضاً، فهي سلسلة مترابطة جداً، وحلقات لعنوان واحد. على سبيل المثال، فإن نكسة ١٩٦٧ أدت لحرب الاستنزاف بين مصر والعدو الإسرائيلي، وبالتالي لحرب ١٩٧٣؛ ومن ثم الانكفاء المصري عن الصراع العربي الإسرائيلي عزز من قوة الوجود الفلسطيني في لبنان فاندلعت الحرب الأهلية فيه بين عامي ١٩٧٥ و١٩٩٠، وتم اجتياحه من قِبَل القوات الإسرائيلية عام ١٩٨٢، فتأثر به بن لادن وقرر استهداف الولايات المتحدة فنفذ عمليات ١١ أيلول لاحقاً.

 

الملفات متشابكة جداً ومعقدة، الملف الكردي لم ينتهي بعد ورؤيتهم للانفصال، أو بناء فيدرالية على أقل تقدير، سيدفع الأتراك إلى التدخل مجدداً
 

وأيضاً الثورة الخمينية عام ١٩٧٩ أدت لحرب الخليج الأولى بين إيران والعراق دامت ٨ سنوات، وتسببت بعجز لنظام صدام حسين لم يستطع على تحمله فقرر اجتياح الكويت عام ١٩٩١ ومن ثم الحملة الدولية على نظامه بقيادة الولايات المتحدة، وتُوجت بغزو العراق عام ٢٠٠٣، وهو السبب المباشر لولادة داعش واعلان دولتها عام ٢٠١٤! الشاهد أن كل الحروب والمعارك في المنطقة مترابطة، وأن لـ "الثورة السورية" تداعيات، ربما تكون خطيرة جداً على المستويين الإقليمي والدولي، حتى لو سمعنا كلاماً عن انتهاء الحرب هناك.

الحرب هدأت بالفعل في سوريا، ولكنها لم تنتهي بالتأكيد. المنتصر الفعلي عسكرياً حتى الآن هو روسي إيراني. ورؤية كل منهما تختلف عن الآخر، فروسيا تؤمن بـ "الدولة"، وتريد أن تحفظ مصالحها في سوريا. أما إيران، فهي تريد أن تتخذ من سوريا منصة لإبراز العضلات. تريد أن تربط نقاط نفوذها من طهران مروراً بالعراق وسوريا إلى لبنان. رؤيتان متضاربتان، وسيبرز هذا الخلاف على الأرض، مما يسبب حالات من عدم الاستقرار، يثبت أن الحرب في سوريا لم تنتهي بعد.

الملفات متشابكة جداً ومعقدة، الملف الكردي لم ينتهي بعد ورؤيتهم للانفصال، أو بناء فيدرالية على أقل تقدير، سيدفع الأتراك إلى التدخل مجدداً. وملف درعا خطير جداً، ومسألة السماح للنفوذ الإيراني على تخوم الجولان خصوصاً والشمال "الإسرائيلي" عموماً خطيرة جداً، ولن تقبل "إسرائيل" به، وستبقى تخوض حرب الاستنزاف الذي يطال القوات الإيرانية و"حزب الله" حتى تربكهم وتحرجهم وتدفعهم لحرب شاملة، يريدها الإسرائيلي مع وجود الرئيس ترمب على سدة الرئاسة الأميركية.

 

ولا يمكن أيضاً إهمال الشِق الاقتصادي، مع الموقع الاستراتيجي لسوريا كمحطة نقل للغاز، ووجود الآبار على بحرها. ملف "الإرهاب" لا يزال يطل برأسه، وانتقال الفصائل الراديكالية، داعش على وجه الخصوص، إلى استراتيجية "الذئاب المنفردة" ستعيدنا بالذاكرة إلى سنوات ما بعد طرد القاعدة من الموصل والفلوجة، ثم اعلان داعش دولتهم.



حول هذه القصة

ساهمت الأمطار الغزيرة والفيضانات التي تعرضت لها محافظات جنوبي سوريا برفد العديد من السدود بمياه الأمطار وعلى رأسها سد درعا الذي عانى من جفاف دام عامين.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة