هل أخلع حجابي؟!

كنت قبل فترة في محاضرة لمدير إحدى المؤسسات الإعلامية الغربية المستقلّة، والتي تمتلك قناة تلفزيونية ناطقة باللغة العربية. وفي أثناء الوقت المخصص لأسئلة الحضور، قامت إحدى الصحافيات المحجبات ذات الباع الطويل في الصحافة وسألت المُحاضر: هل توظفون المحجبات مثلي؟ جاء ردّ المُحاضر بالنفي، وبيّن أن نظام الدولة التي تنتمي إليها القناة التي يرأسها نظامٌ علماني. وهذا يعني أنهم لا يسمحون للمحجبات بالظهور على الشاشة. ثم وضّح أن هذا الحظر مفروض كذلك على الصليب والكيباه (القبعة اليهودية) وغيرها. حينها بادرت أنا بالسؤال قائلة: إذاً لن تتمكّن إحدانا من التقدم لوظيفة عندكم في أي حالٍ من الأحوال، حتى لو كانت مؤهلة؟

قيود تأتي على هوى الإعلام.. حتى لو كان "حراً"

كان المُحاضر قد تحدث في البدء عن مدى انفتاح القناة وحرّيتها، بحيث أنها لا تتبع لا لنظام حكومي أو تيار سياسي. ولذا أتبعت سؤالي: إذاً لا يمكنكم القول بأن نظام التوظيف لديكم نظام عادل وحر. هذا اسمه تمييز! بالنظر إلى معتقداتي، أنا لا أستطيع الظهور أمام رجال غير محارم بدون حجاب. وطالما أن معتقداتي لا تؤثر على حرية الآخرين أو تتسبب بأذىً للمجتمع على المدى القريب أو البعيد، فلا يجوز منعي من ممارستها! لم أكن بصدد مناقشة النظام العلماني هنا والتحدث عن مدى ظلمه أو إنصافه، تناقضه أو عدالته. وعوضاُ عن ذلك، أردت طرح فكرة مهمة وسؤالاً محورياً: هل يجب على المؤسسة الإعلامية غير الحكومية أن تكون ملزمة باتباع نظام الدولة دون أن يكون لها معاييرها الخاصة وأسلوبها المتفرّد الذي يعكس اتساع سقف الحرية لديها؟

لم أحصل على إجابة واضحة على سؤالي وتعليقي. ولكن في استراحة القهوة التي تبعت المحاضرة، تقدّم نحوي أحد الحاضرين، وهو أحد ممثلي سفارة الدولة الغربية ذاتها لدينا. وبعد أن تأكد فيما إذا كنت أنا نفسي التي سألتُ عن نظام التوظيف والحجاب، وجّه إلي سؤالاً: كيف سيثق الناس بكِ وأنتِ على الشاشة ترتدين الحجاب في أثناء تحدثك عن قضية ما؟ فكرّت لوهلة، وجاء ردّي بديهياً.

 لا أقتنع بتشابيه اللؤلؤة والحلوة المكشوفة الحمقاء تلك، ولكن للحجاب هيبة ورونقاُ لا يضاهى ولا يمكن إنكاره! وفيه جهاد وتعبير صريح غير منطوق يقول: "أنا مؤمنة قوية"!
 

يجب أن يسأل الإنسان نفسه، في حال فقد الناس الثقة فيمن أمامهم لأنه يرتدي صليباً أو ترتدي حجاباً أو غير ذلك.. في حال أطلقنا أحكامنا على الآخرين بناء على مظهرهم فحسب.. فهل سنستنتج أن المشكلة كامنة في الرداء أو المظهر أم في منظومة فكرية متكاملة؟ النمطية موجودة بشكل كبير لأن وسائل الإعلام الغير مسؤولة عزّزتها وزادت من حدّتها. فهل الأحرى بوسائل الإعلام الواعية الانصياع وراء النمطية أم لعب دورها الأساسي المتمثّل في خلق رأي عام واعٍ وفكرٍ منفتح لدى الأفراد؟ سادت لحظة صمت بعدها. فأشعل سيجارته ومضى يلتفت وكأنني لم أقل شيئاً لتوّي، لم أشعر أن لديه جواباً. تمنيت لو أنه علق على ما سمع، لعلّي أغوص في أعماق تفكيري أكثر، فهذا النوع من الأحاديث وطرح الآراء المختلفة هو الألذ بالنسبة لأدمغتنا!

عصر تجريم الإيمان

بعد هذا الموقف، ظلّ هناك سؤال يدور في ذهني، لماذا أصبح الإيمان أحد مظاهر الانغلاق والتطرف والتعصب؟ هل إذا كنت أضع حجاباً على رأسي أو صليباً حول عنقي فذلك يعني أنني أقل انفتاحاً وإدراكاً للأمور؟ هل أصبح الإيمان تهمة وجريمة؟ولنكن واقعيين، يستقبل أغلب المتعصبّون المعاصرون الحجاب بنفور أكثر من الأشياء الأخرى التي تعطي دلالة على معتقد مُرتديها. ونجد تفسيراً لهذه الظاهرة في الحروب التي تشنّها كثير من وسائل الإعلام الغربي وحتى العربي على الرموز الإسلامية، والحجاب أحدها. لقد شًوّهت صورته ورُبطت بالتخلّف والرجعية.

الحجاب تضحية تستحق!

الفتاة المحجبة تتنازل عن كثير ممّا يهواه قلبها. فالحجاب ليس قطعة قماش فحسب. وعلى الرغم من أنه يعيق الفتاة عن فعل كثير من الأمور البسيطة بسبب نمط الحياة العصري الذي يجبرنا على البقاء في داخل أبنية إسمنتية طوال الوقت بدون أن تتخلّل أشعة الشمس ونفحات الهواء خصلات شعرها، إلا أنه يفرض هيبته ورزانته على شخصيتها كذلك. فلا مكان لجنونها وطيشها في الخارج. ولن تستطيع مشاركة العالم ما لديها من بعض أنواع المواهب، فقد تمتلك صوتاً عذباً في الغناء، أو قدرة فريدة على أداء حركات الرقص، أو مهارة في رياضة الجمباز وغيرها من الألعاب الرياضية التي قد لا تتلاءم مع هيئة الحجاب الرزينة. التنازلات ثمن أساسي تُدفع دائماً لقاء شيء مميز. الحجاب ليس فرضاً جائراً، بل أنه يختزل معانٍ سامية وله فوائد جمّة على الصعيد الشخصي والمجتمعي. أولها حماية المرأة. فحتى لو كانت في أكثر بقاع العالم أماناً، ارتداؤها له يجعلها حاملةً لرسالة عظيمة. إنه تضحية ولا أحد يستطيع قول غير ذلك، ولكنه تضحية مأجورة في الآخرة، وذات مردود نفعي في الدنيا. لا أقتنع بتشابيه اللؤلؤة والحلوة المكشوفة الحمقاء تلك، ولكن للحجاب هيبة ورونقاُ لا يضاهى ولا يمكن إنكاره! وفيه جهاد وتعبير صريح غير منطوق يقول: "أنا مؤمنة قوية"!



حول هذه القصة

سيطرت قوات من الجيش الوطني اليمني -مدعومة بالمقاومة الشعبية- على منطقة وقلعة الطائف الساحلية بمحافظة الحديدة (غربي اليمن)، لكن جماعة الحوثيين هونت من هذا التقدم، ودعا زعيمها جماعته إلى “التماسك”.

المزيد من المدونات
الأكثر قراءة