شعار قسم مدونات

ما لم تخبرني به والدتي عن الحياة..

مدونات - رجل يذهب
لطالما حلمت بتلك الجلسة الهادئة، بين أحضان أمي، بينما أنا ملفوف في يديها، تحفني بلمسات دافئة على كتفي الصغير. تارَة نضحك، وتارة تُخبرني بقصصها، وفي أحايين أخرى، تمسح بيديها الطاهرتين على رأسي. تمنيت لو أن والدتي زجرتني على الثقة العمياء التي أعطيتها لأولئك الذين لا يستحقونها، وأن تخبرني أكثر عن الحياة.

 

لقد نسيت أمي أن تُعلمني أن الحياة عبارة عن أحجية. التقينا على مر السنين محاولين حلها. كل بطريقته الخاصة. البعض آثر على نفسه البحث خارج الصندوق، وصدق التفسيرات التي قدمتها الأديان لأصل الحياة. فيما آمن آخرون أن الحياة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه، مؤكدين أن الرحلة ما تزال طويلة جدًا لاكتشاف الهدف الأسمى لكل شيء. فيما يرون أن التفسيرات التي تقدمها الأديان ليست سوى محاولة فاشلة لجعل الحياة البشرية منظمة، في حين أن أصل الحياة هو الفوضى.

 

الكون ينحدر إلى الفوضى. بالنسبة للبعض، هذه جملة صعبة التصديق أو القبول. فكيف يمكن لكل هذا التوازن الظاهر أن يسير إلى الاضطراب. لكن العلم لا يؤمن إلا بالأدلة. الديناميكا الحرارية تنص على أن الأنتروبيا (mesure of disorder) في كوننا تزداد فقط. هذا قانون أساسي، مثل قانون الجاذبية. ترتبط الأنتروبيا بطريقة توزيع الطاقة في نظام معين، تمثل الطاقة المكثفة في مكان ما نسبة أنتروبيا ضعيفة، فيما تملك الطاقة الموزعة اعتباطيًا أنتروبيا عالية. بيت القصيد، أنت هنا لأن وجودك يساعد في زيادة الإنتروبيا. ربما لو كان وجودك، على نحو ما يعاكس هذا المبدأ، فلن يقبل الكون أن تكون جزءًا منه.

 

ربما يصعب إيجاد مبرر لوجودك في الحقيقة. مصيرك هو الموت الحتمي كأي شيء في هذا الكون. الأجوبة التي تتلقاها كإنسان ستزيد فقط من حيرتك

كم أتمنى فقط لو أن أمي أبلغتني أن العدمية قد ولدت عند نشأة الكون، مما أجبر الكون على أن يصل لنهاية حتمية في شكل متشتت ومتفكك. لم يكن هناك أمل على الإطلاق، لم يكن هناك أمل. ربما حاول الكون الخروج من هذا الطريق المسدود. هناك، على نقطة صغيرة نسميها كوكب الأرض اليوم، ولد وترعرع غطاء أخضر. لقد كان عملاً مشوقًا للغاية، حيث حوّل الفوضى إلى نظام مصغر، يساهم في تزايد الفوضى على مستوى الكون. وهكذا تحولت طاقة الشمس المنظمة إلى هياكل فوضوية من أشعة الشمس، ليتم تحويلها لأشكال أخرى أقل تنظيمًا سواء عبر التركيب الضوئي أو عبر الحرارة… وفي كل تحول تلقائي، تزداد نسبة الأنتروبيا في الارتفاع أكثر.

 

غفلت أمي أن تُطلعني عن احتمالية أن نكون مجرد تجربة علمية من قبل طلاب المدارس الثانوية في كون آخر. يدرسون من خلالها التأثير الذي يحصل لمجموعة من الكائنات الغريبة مع الوقت. وكل ما نعيشه نحن الآن، يمكن أن يقاس بساعة واحدة لتوقيت ذلك الكون. تعتمد فكرة العالم كورزويل على الآثار العميقة لما يحدث لحسابات الطاقة الدورية مع مرور الوقت. إن دقة المحاكاة، التي لا تختلف عن الواقع الحقيقي، وقوانين الفيزياء (مجموعة من الحسابات) كلها دلائل على أن الكون يحتمل أن يكون منصبًا على جهاز كمبيوتر، وأن الإنسان لا يعدو كونه مجموعة من المعلومات والبيانات داخل هذا الحاسوب.

 

لم تخبرني والدتي أننا كائنات بسيطة حدثت في الطبيعة كنتاج المادة والوقت. نحن متميزون عن غيرنا من المخلوقات الأخرى فقط لأن أجدادننا نجحوا في تطوير المعرفة والوعي لغاية البقاء. قدرة الإنسان العاقل قديما على التعايش في مجموعات هي نقطة قوته الأساسية التي ساهمت في بقاءنا لحدود الساعة. لقد كان أجدادنا أضعف جسديًا من باقي الأنواع التي عاشت إلى جوارهم، لكنهم طوروا مهاراتهم المعرفية ليتفوقوا على غريمهم النياندرتال. حتى الآن، هذا هو الشيء الوحيد الذي نتميز به عن ما تبقى من الكائنات الحية. غير ذلك، فكل الكائنات، بدون استثناء، أنظمة مفتوحة على محيطها ويمكن أن تنمو عبر الطعام الذي تأكله من أجل مساعدة الكون على اكتساب المزيد والمزيد من الفوضى. ربما يصعب إيجاد مبرر لوجودك في الحقيقة. مصيرك هو الموت الحتمي كأي شيء في هذا الكون. الأجوبة التي تتلقاها كإنسان ستزيد فقط من حيرتك، وبدلاً من تنوير عقلك، ستعيش مرتعبًا بشأن الحقيقة.

 undefined

  
كذبة نبيلة
عندما صمم سقراط فكرته عن الجمهورية في الكتاب الثالث لجمهورية أفلاطون، اقترح استخدام شيء يسمى الكذبة النبيلة. لقد اعتقد أنه سيكون من الصعب الحفاظ على رضى مواطني جمهوريته إذا كانوا في طبقة منخفضة أو مستوى منخفض، لذلك ابتكر أسطورة تروي ولادة جميع الناس من الأرض واندماجهم مع معدن يمثل جزءا من هويتهم. الحكام كانوا من الذهب، المحاربون من الفضة، فيما الحرفيين من البرونز والحديد. بسبب هذا التركيب، سيقنع الناس بما قدمه القدر لهم، وسيؤدون عملهم بسعادة دون التطلع إلى حياة الآخرين ومستواهم. يسمي أفلاطون هذا بالكذبة النبيلة، لأنه يعتقد أنه يصب في مصلحة الجمهورية ككل أو على الأقل بالنسبة لنبلائها.
 

هذا هو الحكم الرهيب الذي وُضع علينا. لكي نحيى، يجب أن نعيش في خداع أو وهم، أو بشكل أوضح في كذبة النبلاء. لكي يعيش الشخص بسعادة، وجب عليه أن يؤمن بالمعنى الموضوعي، القيمة والهدف حتى لو كان مزيفًا. إنها طريقة يستخدمها عالمنا لإبقائك مساعدًا في زيادة الأنتروبيا، ربما حتى تصبح عديم الفائدة.